تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: تَدَبَّرُوا هَذَا الْحَدِيثِ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُؤْتَى النَّاسُ قَطُّ مِنْ قِبَلِ عُلَمَائِهِمْ، وَإِنَّمَا يُؤْتَوْنَ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ إِذَا مَاتَ عُلَمَاؤُهُمْ أَفْتَى مَنْ لَيْسَ بِعَالِمٍ. فَيُؤْتَى النَّاسُ مِنْ قِبَلِهِ، وَقَدْ صُرِّفَ هَذَا الْمَعْنَى تَصْرِيفًا، فَقِيلَ: «مَا خَانَ أَمِينٌ قَطُّ وَلَكِنَّهُ ائْتَمَنَ غَيْرَ أَمِينٍ فَخَانَ». قَالَ وَنَحْنُ نَقُولُ: «مَا ابْتَدَعَ عَالِمٌ قَطُّ، وَلَكِنَّهُ اسْتُفْتِيَ مَنْ لَيْسَ بِعَالِمٍ».

قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ: «بَكَى رَبِيعَةُ يَوْمًا بُكَاءً شَدِيدًا، فَقِيلَ لَهُ: «مُصِيبَةٌ نَزَلَتْ بِكَ؟»، فَقَالَ: «لَا! وَلَكِنِ اسْتُفْتِيَ مَنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ».

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم -: «سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ سَنَوَاتٌ خَدَّاعَاتُ، يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ، وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ، وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ، وَيُخَوَّنُ فِيهَا الْأَمِينُ، وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ»، قِيلَ: «وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ؟»، قَالَ: «الرَّجُلُ التَّافِهُ يَتَكَلّمُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ». (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني) (1).

وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ - رضي الله عنه -: «لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا أَخَذُوا الْعِلْمَ مِنْ أَكَابِرِهِمْ، فَإِذَا أَخَذُوهُ عَنْ أَصَاغِرِهِمْ وَشِرَارِهِمْ هَلَكُوا.

وَقَالَ الْحَسَنِ: «الْعَامِلُ عَلَى غَيْرِ عِلْمٍ كَالسَّائِرِ عَلَى غَيْرِ طَرِيقٍ، وَالْعَامِلُ عَلَى غَيْرِ عِلْمٍ مَا يُفْسِدُ أَكْثَرَ مِمَّا يُصْلِحُ (2)، فَاطْلُبُوا الْعِلْمَ طَلَبًا لَا يَضُرُّ بِتَرْكِ الْعِبَادَةِ، وَاطْلُبُوا

(1) () وفي رواية: «السَّفِيهُ يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ» (رواه الإمام أحمد في المسند، وحسنه الأرنؤوط). وفي رواية:

«الْفُوَيْسِقُ يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ» (رواه الإمام أحمد في المسند، وحسنه الأرنؤوط).

(سَنَوَاتٌ) جَمْعُ سَنَةٍ، (خَدَّاعَاتُ) الخداع: المكر والحيلة، وإضافة الخداعات إلى السنوات مجازية. والمراد أهل السنوات. وقِيل: سَنَوَاتٌ خَدَّاعَاتُ: أي تكثر فيها لأمطار ويقل الريع فذلك خداعها. لأنها تُطَمِّعُهم في الخصب بالمطر ثم تُخلف. وقيل الخداعة: القليلة المطر من خدع الريق إذا جف. (الرُّوَيْبِضَةُ) تضغير رابضة. وهو العاجز الذي ربض عن معالي الأمور وقعد عن طلبها، وَالتَّافِهُ: الْحَقِيرُ الْيَسِيرُ، أَيْ: قَلِيلُ الْعِلْمِ» (بتصرف من حاشية السندي على سنن ابن ماجه، ومن تعليق محمد فؤاد عبد الباقي عليها).

(2) () أي أن الذي يُفْسِدُه الْعَامِل عَلَى غَيْرِ عِلْمٍ أَكْثَرَ من الذي يُصْلِحُه.

تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبي · الصفحة ٣٤٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبيص ٣٤٦