تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وَأَيْضًا، فَيَلْزَمُ عَلَيْهِ اسْتِحْسَانُ الْعَوَامِّ وَمَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ، إِذَا فُرِضَ أَنَّ الْحُكْمَ يَتَّبِعُ مُجَرَّدَ مَيْلِ النُّفُوسِ وَهَوَى الطِّبَاعِ، وَذَلِكَ مُحَالٌ، لِلْعِلْمِ بِأَنَّ ذَلِكَ مُضَادٌّ لِلشَّرِيعَةِ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَدِلَّتِهَا.

الدَّلِيلُ الثَّانِي لِلْمُبْتَدِعَةِ فِي الِاسْتِحْسَانِ:

قَوْلُهُ - صلى الله عليه وآله وسلم -: «مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللهِ حَسَنٌ» (1) وَإِنَّمَا يَعْنِي بِذَلِكَ مَا رَأَوْهُ بِعُقُولِهِمْ، وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ حُسْنُهُ بِالدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ لَمْ يَكُنْ مِنْ حُسْنِ مَا يَرَوْنَ، إِذْ لَا

(1) () لا أصل له مرفوعًا إلى النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -، وإنما ورد موقوفًا على عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رضي الله عنه - قَالَ: «إِنَّ اللهَ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَوَجَدَ قَلْبَ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وآله وسلم - خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَاصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ، فَابْتَعَثَهُ بِرِسَالَتِهِ، ثُمَّ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ بَعْدَ قَلْبِ مُحَمَّدٍ، فَوَجَدَ قُلُوبَ أَصْحَابِهِ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَجَعَلَهُمْ وُزَرَاءَ نَبِيِّهِ، يُقَاتِلُونَ عَلَى دِينِهِ، فَمَا رَأَى الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا، فَهُوَ عِنْدَ اللهِ حَسَنٌ، وَمَا رَأَوْا سَيِّئًا فَهُوَ عِنْدَ اللهِ سَيِّئٌ». أخرجه أحمد.

وقال الألباني: «هذا إسناد حسن. وروى الحاكم منه الجملة التي أوردنا في الأعلى [أي: فَمَا رَأَى الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا، فَهُوَ عِنْدَ اللهِ حَسَنٌ، وَمَا رَأَوْا سَيِّئًا فَهُوَ عِنْدَ اللهِ سَيِّئٌ»] وزاد في آخره: «وقد رأى الصحابة جميعًا أن يستخلفوا أبا بكر - رضي الله عنه -»، وقال: «صحيح الإسناد»، ووافقه الذهبي ...

وإن من عجائب الدنيا أن يحتج بعض الناس بهذا الحديث على أن في الدين بدعة حسنة، وأن الدليل على حُسْنها اعتياد المسلمين لها! ولقد صار من الأمر المعهود أن يبادر هؤلاء إلى الاستدلال بهذا الحديث عندما تثار هذه المسألة وخفي عليهم أن هذا الحديث موقوف فلا يجوز أن يُحْتَجّ به في معارضة النصوص القاطعة في أن «كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» كما صح عنه - صلى الله عليه وآله وسلم -.

وعلى افتراض صلاحية الاحتجاج به فإنه لا يعارض تلك النصوص لأمور:

الأول: أن المراد به إجماع الصحابة - رضي الله عنهم - واتفاقهم على أمر، كما يدل عليه السياق، ويؤيده استدلال ابن مسعود به على إجماع الصحابة على انتخاب أبي بكر خليفة، وعليه فاللام في (المسلمون) ليس للاستغراق كما يتوهمون، بل للعهد. ...

الثاني: سَلَّمْنا أنه للاستغراق، ولكن ليس المراد به قطعًا كل فرد من المسلمين، ولوكان جاهلًا لا يفقه من العلم شيئًا، فلابد إذن من أن يحمل على أهل العلم منهم، وهذا مما لا مفر لهم منه فيما أظن. فإذا صح هذا فمَن هم أهل العلم؟ وهل يدخل فيهم المقلدون الذين سدوا على أنفسهم باب الفقه عن الله ورسوله، وزعموا أن باب الاجتهاد قد أغلق؟ كلا ليس هؤلاء منهم.

وخلاصة القول: أن حديث ابن مسعود هذا الموقوف لا متمسك به للمبتدعة، كيف وهو - رضي الله عنه - أشد الصحابة محاربةً للبدع والنهي عن اتباعها، وأقواله وقصصه في ذلك معروفة في (سنن الدارمي) و (حلية الأولياء) وغيرهما، وحسبنا الآن منها قوله - رضي الله عنه -: «اتَّبِعُوا وَلَا تَبْتَدِعُوا؛ فَقَدْ كُفِيتُمْ، عَلَيْكُمْ بِالْأمْرِ الْعَتِيقِ». فعليكم أيها المسلمون بالسُنّة تهتدوا وتفلحوا» [انظر: السلسلة الضعيفة للألباني (2/ 16 - 19)].

تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبي · الصفحة ٣٢٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبيص ٣٢٦