بَلْ إِنَّمَا تُتَصَوَّرُ عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ:
- إِمَّا مُنَاقِضَةً لِمَقْصُودِهِ.
- وَإِمَّا مَسْكُوتًا عَنْهَا فِيهِ.
وَقَدْ نُقِلَ الْإِجْمَاعُ عَلَى اطِّرَاحِ الْقِسْمَيْنِ وَعَدَمِ اعْتِبَارِهِمَا.
وَلَا يُقَالُ: إِنَّ الْمَسْكُوتَ عَنْهُ يَلْحَقُ بِالْمَأْذُونِ فِيهِ.
إِذْ يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ خَرْقُ الْإِجْمَاعِ؛ لِعَدَمِ الْمُلَاءَمَةِ. وَلِأَنَّ الْعِبَادَاتِ لَيْسَ حُكْمُهَا حُكْمَ الْعَادَاتِ فِي أَنَّ الْمَسْكُوتَ عَنْهُ كَالْمَأْذُونِ فِيهِ (1)، إِنْ قِيلَ بِذَلِكَ، فَهِيَ تُفَارِقُهَا. إِذْ لَا يُقْدَمُ عَلَى اسْتِنْبَاطِ عِبَادَةٍ لَا أَصْلَ لَهَا؛ لِأَنَّهَا مَخْصُوصَةٌ بِحُكْمِ الْإِذْنِ الْمُصَرَّحِ بِهِ؛ بِخِلَافِ الْعَادَاتِ، وَالْفَرْقِ بَيْنَهُمَا مَا تَقَدَّمَ مِنِ اهْتِدَاءِ الْعُقُولِ لِلْعَادِيَّاتِ فِي الْجُمْلَةِ. وَعَدَمِ اهْتِدَائِهَا لِوُجُوهِ التَّقَرُّبَاتِ إِلَى اللهِ تَعَالَى.
فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْمَصَالِحَ الْمُرْسَلَةَ تَرْجِعُ إِلَى حِفْظِ ضَرُورِيٍّ مِنْ بَابِ الْوَسَائِلِ أَوْ إِلَى التَّخْفِيفِ، فَلَا يُمْكِنُ إِحْدَاثُ الْبِدَعِ مِنْ جِهَتِهَا وَلَا الزِّيَادَةُ فِي الْمَنْدُوبَاتِ، لِأَنَّ الْبِدَعَ مِنْ بَابِ المَقَاصِدِ لَا مِنْ بَابِ الْوَسَائِلِ؛ لِأَنَّهَا مُتَعَبَّدٌ بِهَا بِالْفَرْضِ (2). وَلِأَنَّهَا زِيَادَةٌ فِي التَّكْلِيفِ وَهُوَ مُضَادَّةٌ لِلتَّخْفِيفِ.
(1) () قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: «الأصل الذي بَنَى الإمام أحمد وغيره من الأئمة عليه مذاهبهم أن أعمال الخلق تنقسم إلى عبادات يتخذونها دينًا ينتفعون بها في الآخرة أو في الدنيا والآخرة، وإلى عادات ينتفعون بها في معايشهم.
* فالأصل في العبادات أن لا يُشرع منها إلا ما شرعه الله.
* والأصل في العادات أن لا يُحظَر منها إلا ما حظره الله».
[انظر: اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم (2/ 258)].
(2) () الوسائل: واحدها وسيلة، وهي الذريعة الموصلة إلى الشيء المطلوب، والمقصود هنا الوسائل الشرعية المتعلقة بالمطلوب فعله أو تركه، ونحو ذلك من الأحكام التكليفية.
والمقاصد: واحدها مقصد، وهو الشيء المطلوب، فالصلاة من حيث أدائها مقصدٌ، والمشي إليها: وسيلة، فالمقصد هو الصلاة، وذلك لأن الله - سبحانه وتعالى - أمر بأدائها وإقامتها، والوسيلة هي المشي إلى الصلاة، إذ إن القدمين آلة المشي والسير، واستعمالها راجع إلى الماشي، فعندما يقصد الصلاة ويستعمل هذه الآلة في الوصول إلى مقصده يُسمى المشي: وسيلة.
والوسائل لها أحكام المقاصد وبيان ذلك من المثال السابق، هو أن أداء الصلاة المفروضة مع الجماعة في المسجد واجب، فالوسيلة إليه - وهي المشي - تأخذ حُكْمه، فتكون الوسيلة واجبة، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
[انظر: مجموعة الفوائد البهية على منظومة القواعد الفقهية، لصالح بن مُحمَّدٍ آل عُمَيِّر. (ص: 79 - 81)].
ومعنى كلام الإمام الشاطبي - رحمه الله - أن الْبِدَعَ مِنْ بَابِ المَقَاصِدِ حيث إن المُبتدع - بابتداعه لها - قد جعلها من مطلوبات الشرع مع أنها ليست كذلك.
والبدع ليست من مِنْ بَابِ الْوَسَائِلِ التي يُتَوَصَّلُ بها إلى حفظ ضروريٍّ من ضرورات الشريعة؛ فالمبتدع – بزعمه - يتَعَبَّدٌ للهِ - عز وجل - بِهَا، فالبدع بذلك ليست من باب المصالح المرسلة.