تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أَمْثِلَةٌ تُوَضِّحُ الْوَجْهَ الْعَمَلِيَّ فِي الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ:

الْمِثَالُ الأوّل: جَمْعُ الْقُرْآنِ:

إِنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم - اتَّفَقُوا عَلَى جَمْعِ الْمُصْحَفِ، وَلَيْسَ ثَمَّ نَصٌّ عَلَى جَمْعِهِ وَكَتْبِهِ (1)، بَلْ قَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: «كَيْفَ نَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم -؟»، فَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ - رضي الله عنه - قَالَ: «أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ - رضي الله عنه - مَقْتَلَ أَهْلِ الْيَمَامَةِ، وَإِذَا عِنْدَهُ عُمَرُ - رضي الله عنه -، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: «إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقَالَ: «إِنَّ الْقَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ بِقُرَّاءِ الْقُرْآنِ يَوْمَ الْيَمَامَةِ، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ الْقَتْلُ بِالْقُرَّاءِ فِي الْمَوَاطِنِ كُلِّهَا فَيَذْهَبَ قُرْآنٌ كَثِيرٌ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَأْمُرَ بِجَمْعِ الْقُرْآنِ». قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: «كَيْفَ أَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم -؟»، فَقَالَ لِي: «هُوَ ـ وَاللهِ ـ خَيْرٌ». فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي فِي ذَلِكَ حَتَّى شَرَحَ اللهُ صَدْرِي لَهُ، وَرَأَيْتُ فِيهِ الَّذِي رَأَى عُمَرُ.

قَالَ زَيْدٌ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: «إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ لَا نَتَّهِمُكَ، قَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم -، فَتَتَبَّعِ الْقُرْآنَ فَاجْمَعْهُ». قَالَ زَيْدٌ: «فَوَاللهِ لَوْ كَلَّفُونِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الْجِبَالِ مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَيَّ مِنْ ذَلِكَ».

فَقُلْتُ: «كَيْفَ تَفْعَلُونَ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم -؟»، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: «هُوَ وَاللهِ خَيْرٌ»، فَلَمْ يَزَلْ يُرَاجِعُنِي فِي ذَلِكَ حَتَّى شَرَحَ اللهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ صَدْرَيْهِمَا فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنَ الرِّقَاقِ وَالْعُسُبِ وَاللِّخَافِ، وَمِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ» (رواه البخاري) (2).

(1) () أي لَيْسَ هناك نَصٌّ عَلَى جَمْعِهِ وَكِتَابَتِهِ.

(2) () (مَقْتَلَ أهْلِ الْيَمَامَةِ) أيَّامَ قَتْل مَن قُتِلَ من المسلمين في المعركة التي كانت بينهم وبين مسيلمة الكذاب. (اسْتَحَرَّ) اشْتَدَّ وَكَثُرَ. (بِالْقُرَّاءِ) أي حَفَظَة القرآن. (المَوَاطِن) المواضع التي سيغزو فيها المسلمون والمعارك التي تكون بينهم وبين أعدائهم. (لَا نَتَّهِمُكَ) لَا نَشُكّ في أمَانَتِكَ وحِفْظِكَ وإتْقَانِكَ لِكِتَابِ الله - سبحانه وتعالى -. (فتَتَبَّعْ الْقُرْآنَ) أي ابحث عن الرقاع ونحوها مما كتب عليه القرآن أيام النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -. و (الرِّقَاعُ) جمع رُقْعَة وهي القطعة من ورق أو جلد ونحو ذلك. (الْأكْتَاف) جمع كَتِف وهو عظم عريض يكون على أعلى الظهر. (الْعُسْب) جمع عسيب وهو جريد النخل العريض.

تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبي · الصفحة ٣٠٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبيص ٣٠٧