وَكُلُّ ذَلِكَ عَائِدٌ وَبَالُهُ عَلَى الْعَالَمِ (1)، وَزَلَلُهُ الْمَذْكُورُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ:
- أَحَدُهُمَا: زَلَلُهُ فِي النَّظَرِ حَتَّى يُفْتِيَ بِمَا خَالَفَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ فَيُتَابِعُ عَلَيْهِ وَذَلِكَ الْفُتْيَا بِالْقَوْلِ.
- وَالثَّانِي: زَلَلُه في العمل بالمخالفات، فَيُتَابَعُ أَيْضًا عَلَيْهَا عَلَى التَّأْوِيلِ الَمذْكُورِ، وَهُوَ فِي الِاعْتِبَارِ قَائِمٌ مَقَامَ الفُتْيَا بِالْقَوْلِ؛ إِذْ قَدْ عَلِمَ أَنه مُتَّبَعٌ وَمَنْظُورٌ إِلَيْهِ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يُظْهِرُ بِفِعْلِهِ مَا يَنْهَى عَنْهُ الشّارِِعُ، فَكَأَنّهُ مُفْتٍ به؛ عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ.
وَالثَّانِي مِنْ قِسْمَيِ الْمَفْسِدَةِ الْحَالِيَّةِ: أَنْ يَعْمَلَ بِهَا الْعَوَّامُّ وَتُشِيعَ فِيهِمْ وَتَظْهَرَ فَلَا يُنْكِرُهَا الْخَوَاصُّ وَلَا يَرْفَعُونَ لَهَا رُءُوسَهُمْ وَهُمْ قَادِرُونَ عَلَى الْإِنْكَارِ فَلَمْ يَفْعَلُوا، فَالْعَامِّيُّ مِنْ شَأْنِهِ إِذَا رَأَى أَمْرًا يَجْهَلُ حُكْمَهُ يَعْمَلُ الْعَامِلُ بِهِ فَلَا يُنْكِرُهَا عَلَيْهِ، اعْتَقَدُ أَنَّهُ جَائِزٌ وَأَنَّهُ حَسَنٌ، أَوْ أَنَّهُ مَشْرُوعٌ بِخِلَافِ مَا إِذَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ عَيْبٌ، أَوْ أَنَّهُ غَيْرُ مَشْرُوعٌ، أَوْ أَنَّهُ لَيْسَ مَنْ فِعْلِ الْمُسْلِمِينَ. هَذَا أَمْرٌ يَلْزَمُ مَنْ لَيْسَ بِعَالِمٍ بِالشَّرِيعَةِ، لِأَنَّ مُسْتَنَدَهُ الْخَوَاصَّ وَالْعُلَمَاءَ فِي الْجَائِزِ أَوْ غَيْرِ الْجَائِزِ.
فَإِذَا عُدِمَ الْإِنْكَارَ مِمَّنْ شَأْنُهُ الْإِنْكَارُ، مَعَ ظُهُورِ الْعَمَلِ وَانْتِشَارِهِ وَعَدَمِ خَوْفِ الْمُنْكِرِ وَوُجُودِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَفْعَلْ، دَلَّ عِنْدَ الْعَوَامِّ عَلَى أَنَّهُ فِعْلٌ جَائِزٌ لَا حَرَجَ فِيهِ، فَنَشَأَ فِيهِ هَذَا الِاعْتِقَادُ الْفَاسِدُ بِتَأْوِيلٍ يَقْنَعُ بِمِثْلِهِ مَنْ كَانَ مِنَ الْعَوَامِّ فَصَارَتِ الْمُخَالَفَةُ بِدَعَةً، كَمَا فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ الْعَالِمَ فِي النَّاسِ قَائِمٌ مَقَامَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وآله وسلم -، وَالْعُلَمَاءُ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، فَكَمَا أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وآله وسلم - يَدُلُّ عَلَى الْأَحْكَامِ بِقَوْلِهِ وَفِعْلِهِ وَإِقْرَارِهِ، كَذَلِكَ وَارِثُهُ يَدُلُّ عَلَى الْأَحْكَامِ بِقَوْلِهِ وَفِعْلِهِ وَإِقْرَارِهِ.
(1) () وقد قِيل: «إذا زلّ العالِمُ ـ بكسر اللام ـ زَلَّ العالَمُ ـ بفتح اللام».