تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وَكَذَلِكَ مَا فِي الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم - «رَأَى رَجُلًا قَائِمًا فِي الشَّمْسِ، فَقَالَ: «مَا بَالُ هَذَا؟ «، فَقَالُوا: «نَذَرَ أَنْ يَقُومَ وَلاَ يَقْعُدَ، وَلاَ يَسْتَظِلَّ، وَلاَ يَتَكَلَّمَ، وَيَصُومَ». فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وآله وسلم -: «مُرُوهُ فَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَقْعُدْ، وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ» (رواه البخاري).

قَالَ مَالِكٌ: «أَمَرَهُ أَنْ يُتِمَّ مَا كَانَ للهِ عَلَيْهِ فِيهِ طَاعَةٌ، وَيَتْرُكُ مَا كَانَ عَلَيْهِ فِيهِ مَعْصِيَةٌ». وَيُعَضِّدُ هَذَا الَّذِي قَالَهُ مَالِكٌ مَا فِي الْبُخَارِيِّ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى امْرَأَةٍ مِنْ أَحْمَسَ يُقَالُ لَهَا زَيْنَبُ، فَرَآهَا لاَ تَكَلَّمُ، فَقَالَ: «مَا لَهَا لاَ تَكَلَّمُ؟»، قَالُوا: «حَجَّتْ مُصْمِتَةً»، قَالَ لَهَا: «تَكَلَّمِي؛ فَإِنَّ هَذَا لاَ يَحِلُّ، هَذَا مِنْ عَمَلِ الجَاهِلِيَّةِ»، فَتَكَلَّمَتْ» (1).

فَتَأَمَّلْ كَيْفَ جَعَلَ مَالِكٌ الْقِيَامَ فِي الشَّمْسِ وَتَرَكَ الْكَلَامَ مَعَاصِيَ، مَعَ أَنَّهَا فِي أَنْفُسِهَا أَشْيَاءَ مُبَاحَاتٍ، لَكِنَّهُ لَمَّا أَجْرَاهَا مَجْرَى مَا يَتَشَرَّعُ بِهِ وَيُدَانُ للهِ بِهِ صَارَتْ عِنْدَ مَالِكٍ مَعَاصِيَ للهِ، وَكُلِّيَةُ قَوْلِهِ: «كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» شَاهِدَةٌ لِهَذَا الْمَعْنَى، وَالْجَمِيعُ يَقْتَضِي التَّأْثِيمَ وَالتَّهْدِيدَ وَالْوَعِيدَ، وَهِيَ خَاصِّيَّةُ الْمُحَرَّمِ.

وَقَدْ مَرَّ مَا رَوَى ابْنُ الْعَرَبِيِّ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ، قَالَ: «سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ، وَأَتَاهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: «يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ! مِنْ أَيْنَ أحْرِمُ؟»، قَالَ: «مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، مِنْ حَيْثُ أَحْرَمَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم -»، فَقَالَ: «إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُحْرِمَ مِنَ الْمَسْجِدِ». فَقَالَ: «لَا تَفْعَلْ»، قَالَ: «فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُحْرِمَ مِنَ الْمَسْجِدِ مِنْ عِنْدِ الْقَبْرِ (2)، قَالَ: «لَا تَفْعَلْ؛ فَإِنِّي أَخْشَى عَلَيْكَ الْفِتْنَةَ»، فَقَالَ: «وَأَيُّ فِتْنَةٍ فِي هَذَا؟! إِنَّمَا هِيَ أَمْيَالٌ أَزِيدُهَا».

قَالَ: «وَأَيُّ فِتْنَةٍ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تَرَى أَنَّكَ سَبَقْتَ إِلَى فَضِيلَةٍ قَصَّرَ عَنْهَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم -؟!، إِنِّي سَمِعْتُ اللهَ يَقُولُ: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النور: 63).

(1) () (أحمس): اسم قبيلة. (مَا لَهَا لاَ تَكَلَّمُ): مَا لَهَا لاَ تَتَكَلَّمُ. (مُصْمِتَة): صامِتَة. (هذا) أي تَرْك الكَلَام.

(2) () أي من عند قبر النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -.

تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبي · الصفحة ٢٧٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبيص ٢٧٠