تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وَأَمَا ثَانِيًا: فَإِنَّهُ قِيَاسٌ عَلَى نَصٍّ لَمْ يَثْبُتْ بَعْدُ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ (1)؛ إِذْ مِنَ النَّاسِ مَنْ طَعَنَ فِيهِ، وَمِنْ شَرْطِ الْأَصْلِ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ أَنْ يَثْبُتَ النَّقْلُ فِيهِ مِنْ طَرِيقٍ مَرْضِيٍّ، وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِكَ.

وَأَمَا ثَالِثًا: فَإِنَّ كَلَامَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَرْعٌ اجْتِهَادِيٌّ جَاءَ عَنْ رَجُلٍ مُجْتَهِدٍ يُمْكِنُ أَنْ يُخْطِئَ فِيهِ كَمَا يُمْكِنُ أَنْ يُصِيبَ، وَإِنَّمَا حَقِيقَةُ الْأَصْلِ أَنْ يَأْتِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وآله وسلم - أَوْ عَنْ أَهْلِ الْإِجْمَاعِ، وَهَذَا لَيْسَ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.

وَقَوْلُهُ: «إِنَّ السَّلَفَ عَمِلُوا بِمَا لَمْ يَعْمَلْ بِهِ مَنْ قَبْلَهُمْ»؛ حَاشَ للهِ أَنَّ يَكُونُوا مِمَّنْ يَدْخُلُ تَحْتَ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ.

وَقَوْلُهُ: «مِمَّا هُوَ خَيْرٌ»؛ أَمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى السَّلَفِ فَمَا عَمِلُوا بِهِ خَيْرٌ، وَأَمَّا فَرْعُهُ الْمَقِيسُ عَلَيْهِ (2)؛ فَكَوْنُهُ خَيْرًا دَعْوَى؛ لِأَنَّ كَوْنَ الشَّيْءِ خَيْرًا أَوْ شَرًّا لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِالشَّرْعِ، وَأَمَّا الْعَقْلُ؛ فَبِمَعْزِلٍ عَنْ ذَلِكَ، فَلْيُثْبُتْ أَوَّلًا أَنَّ الدُّعَاءَ عَلَى تِلْكَ الْهَيْئَةِ خَيْرٌ شَرْعًا.

وَأَمَّا قِيَاسُهُ عَلَى قَوْلِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: «تَحْدُثُ لِلنَّاسِ أَقْضِيَةٌ بِقَدْرِ مَا أَحْدَثُوا مِنَ الْفُجُورِ»؛ فَمِمَّا تَقَدَّمَ يُعْلَمُ بُطْلَانُه، وَفِيهِ أَمْرٌ آخَرُ، وَهُوَ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ إِحْدَاثَ الْعِبَادَاتِ جَائِزٌ قِيَاسًا عَلَى قَوْلِ عُمَرَ، وَإِنَّمَا كَلَامُ عُمَرَ ـ بَعْدَ تَسْلِيمِ الْقِيَاسِ عَلَيْهِ ـ فِي مَعْنًى عَادِيٍّ يَخْتَلِفُ فِيهِ مَنَاطُ الْحُكْمِ الثَّابِتِ دُونَ مُجَرَّدِ الدَّعَاوَى (3).

(1) () أي أنّ الكلام المنسوب لعمر بن عبد العزيز - رحمه الله - لَمْ يَثْبُتْ بَعْدُ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ.

(2) () أيْ الدُّعَاءَ عَلَى تِلْكَ الْهَيْئَةِ.

(3) () إن صحت هذه الكلمة عن عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - فمعناها أن الناس إذا اخترعوا ألوانًا من الإثم والفجور والعدوان الفجور- مما ليس فيه نص - استحدَثَ لهم حُكّامهم أنواعًا من العقوبات والأقضية والتعزير - مما جعله الله من سلطان للإمام - بقَدْر ما ابتدعوا من المفاسد ليكون زجرًا لهم ونكالًا.

وهذا الكلام - على فرض ثبوته عن عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - لا يجوز قياس إحداث العبادات عليه، لأن كلام عمر - رحمه الله - إنما هو في معنى عَادِيّ يختلف فيه مناط الحكم الثابت؛ فليس معنى كلام عمر بن عبد العزيز أن الأحكام تتغير بتغير الزمان، بل تتغير باختلاف الصور الحادثة، فإذا حدثت صورة على صفة خاصة علينا أن ننظر فيها، فقد يكون مجموعها يقتضي الشرع له حكمًا.

فكلام عمر بن عبد العزيز - إن صحَّ عنه - لم يقصد به فتح أي باب يناقض الشريعة، وكيف ينسب إلى عمر بن عبد العزيز فتح باب الابتداع في الدين وهو الذي يقول حينما بايعه الناس بعد ما صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه: «أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ نَبِيِّكُمْ نَبِيٌّ، وَلَا بَعْدَ كِتَابِكُمْ كِتَابٌ، وَلَا بَعْدَ سُنَّتِكُمْ سُّنَّةٌ، وَلَا بَعْدَ أُمَّتِكُمْ أُمَّةٌ، أَلَا وَإِنَّ الْحَلَالَ مَا أَحَلَّ اللهُ فِي كِتَابِهِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ حَلَالٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، أَلَا وَإِنَّ الْحَرَامَ مَا حَرَّمَ اللهُ فِي كِتَابِهِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، أَلَا وَإِنِّي لَسْتُ بِمُبْتَدِعٍ وَلَكِنِّي مُتَّبِعٌ». [انظر: (شرح رسالة القيرواني) للعلامة قاسم بن عيسى بن ناجي المالكي (2/ 276)، تعليق الشيخ أحمد شاكر على الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (6/ 831)، فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ (3/ 72 - 73)].

تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبي · الصفحة ٢٤٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبيص ٢٤٢