الشُبْهَةٌ الْخَامِسَةُ: الزَعْمُ بِأنّ قَصْدَ التَّعْلِيمِ لِلدُّعَاءِ لِيَأْخُذُوا مِنْ دُعَائِهِ مَا يَدْعُونَ بِهِ لِأَنْفُسِهِمْ لِئَلَّا يَدْعُوَا بِمَا لَا يَجُوزُ عَقْلًا أَوْ شَرْعًا:
وَهَذَا التَّعْلِيلُ لَا يَنْهَضُ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وآله وسلم - كَانَ الْمُعَلِّمَ الْأَوَّلَ، وَمِنْهُ تَلَقِّينَا أَلْفَاظَ الْأَدْعِيَةِ وَمَعَانِيهَا، وَقَدْ كَانَ مِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَجْهَلُ قَدْرَ الرُّبُوبِيَّةِ، وَكَانُوا أَقْرَبَ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ تُعَامِلُ الْأَصْنَامَ مُعَامَلَةَ الرَّبِّ الْوَاحِدِ - سبحانه وتعالى - وَلَا تُنَزِّهُهُ كَمَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ، فَلَمْ يُشَرِّعْ لَهُمْ النّبِيُّ - صلى الله عليه وآله وسلم - دُعَاءً بِهَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِ فِي آثَارِ الصَّلَوَاتِ دَائِمًا لِيُعَلِّمَهُمْ أَوْ يُعِينَهُمْ عَلَى التَّعَلُّمِ إِذَا صَلَّوْا مَعَهُ، بَلْ عَلَّمَ فِي مَجَالِسِ التَّعْلِيمِ، وَدَعَا لِنَفْسِهِ إِثْرَ الصَّلَاةِ حِينَ بَدَا لَهُ ذَلِكَ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِذْ ذَاكَ إِلَى النَّظَرِ لِلْجَمَاعَةِ، وَهُوَ كَانَ أَوْلَى الْخَلْقِ بِذَلِكَ.
الشُبْهَةٌ السَادِسَة: الزَعْمُ بِأنّ فِي الِاجْتِمَاعِ عَلَى الدُّعَاءِ تَعَاوُنًا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَهُوَ مَأْمُورٌ بِهِ.
وَهَذَا الِاحْتِجَاجُ ضَعِيفٌ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وآله وسلم - هُوَ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (المائدة: 2)، وَكَذَلِكَ فَعَلَ، وَلَوْ كَانَ الِاجْتِمَاعُ لِلدُّعَاءِ إِثْرَ الصَّلَاةِ جَهْرًا لِلْحَاضِرِينَ مِنْ بَابِ الْبِرِّ وَالتَّقْوَى؛ لَكَانَ أَوَّلَ سَابِقٍ إِلَيْهِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ أَصْلًا، وَلَا أَحَدٌ بَعْدَهُ، حَتَّى حَدَثَ مَا حَدَثَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ بِبِرٍّ وَلَا تَقْوَى.
الشُبْهَةٌ السَابِِعََة: الزَعْمُ بِأنّ عَامَّةَ النَّاسِ لَا عِلْمَ لَهُمْ بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ، فَرُبَّمَا لَحَنَ، فَيَكُونُ اللَّحْنُ سَبَبَ عَدَمِ الْإِجَابَةِ:
وَهَذَا الِاحْتِجَاجُ إِلَى اللَّعِبِ أَقْرَبُ مِنْهُ إِلَى الْجَدِّ، وَأَقْرَبُ مَا فِيهِ أَنَّ أَحَدًا مِنَ الْعُلَمَاءِ لَا يُشْتَرَطُ فِي الدُّعَاءِ أَنْ لَا يُلْحِنَ؛ كَمَا يَشْتَرِطُ الْإِخْلَاصَ؛ وَصِدْقَ التَّوْجِيهِ؛ وَعَزْمَ الْمَسْأَلَةِ ... وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الشُّرُوطِ.
وَتَعَلُّمَ اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ لِإِصْلَاحِ الْأَلْفَاظِ فِي الدُّعَاءِ هُوَ كَسَائِرِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْإِنْسَانُ مِنْ أَمْرِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ الدُّعَاءُ مُسْتَحَبًّا؛ فَالْقِرَاءَةُ وَاجِبَةٌ، وَالْفِقْهُ فِي الصَّلَاةِ