تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فَإذَنْ؛ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْبَشِيعِ فِي الْمَأْكَلِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ تَنَطُّعٌ، وَقَدْ مَرَّ مَا فِيهِ قَوْلُهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (المائدة: 87).

3 - وَمِنْ ذَلِكَ الِاقْتِصَارُ فِي الْمَلْبَسِ عَلَى الْخَشِنِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ؛ فَإِنَّهُ مِنْ قَبِيلِ التَّشْدِيدِ وَالتَّنَطُّعِ الْمَذْمُومِ، وَفِيهِ أَيْضًا مِنْ قَصْدِ الشُّهْرَةِ مَا فِيهِ.

وَكُلُّ مَا جَاءَ عَنِ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ الِامْتِنَاعِ عَنْ بَعْضِ الْمُتَنَاوَلَاتِ لَيْسَ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ، وَإِنَّمَا امْتَنَعُوا مِنْهُ لِعَارِضٍ شَرْعِيٍّ يَشْهَدُ الدَّلِيلُ بِاعْتِبَارِهِ؛ كَالِامْتِنَاعِ مِنَ التَّوَسُّعِ لِضِيقِ الْحَالِ فِي يَدِهِ، أَوْ لِأَنَّ الْمُتَنَاوَلَ ذَرِيعَةٌ إِلَى مَا يُكْرَهُ أَوْ يُمْنَعُ، أَوْ لِأَنَّ فِي الْمُتَنَاوَلِ وَجْهُ شُبْهَةٍ تَفَطَّنَ إِلَيْهِ التَّارِكُ وَلَمْ يَتَفَطَّنْ إِلَيْهِ غَيْرُهُ مِمَّنْ عَلِمَ بِامْتِنَاعِهِ، وَقَضَايَا الْأَحْوَالِ لَا تُعَارِضُ الْأَدِلَّةَ بِمُجَرَّدِهَا؛ لِاحْتِمَالِهَا فِي أَنْفُسِهَا (1).

(1) () وقائع الأحوال لا يصح الاستدلال بها إذا كانت مخالِفة لنصوص مُحْكَمَة، لأنه يَرِدُ عليها كثير من الاحتمالات. قَالِ الإمَامِ الشَّافِعِيِّ - رحمه الله -: «وَقَائِعُ الْأَحْوَالِ إذَا تَطَرَّقَ إلَيْهَا الِاحْتِمَالُ كَسَاهَا ثَوْبَ الْإِجْمَالِ وَسَقَطَ بِهَا الِاسْتِدْلَال» [حاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع (3/ 365)].

والأدلة المحتملة لها حالتان:

الحالة الأولى: انفراد الدلالة دون معارض، كأن تكون عندنا مسألة منفردة حيث يأتي نص يحتمل الاستدلال لتلك المسألة، فيمكن الاستدلال به ولكن بشرط أن تكون تلك الفائدة لا معارض لها من الشريعة، على سبيل المثال حديث أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ - رضي الله عنه - قَال: «إِنْ كَانَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وآله وسلم - لَيُخَالِطُنَا حَتَّى يَقُولَ لأَخٍ لِى صَغِيرٍ: «يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ» (رواه البخاري ومسلم، والنُّغَيْر تَصْغِير النُّغَر، وَهُوَ طَائِر صَغِير).

فهَذَا الْحَدِيث فِيه فَوَائِد كَثِيرَة جَدًّا ـ ذكرها النووي وابن حجر في شرحهما لهذا الحديث من صحيحي البخاري ومسلم ـ مِنْهَا جَوَاز تَكْنِيَة الطِّفْل، وَأَنَّهُ لَيْسَ كَذِبًا، وليس هناك دليل يعارض تكنية الصغير، فعندئذ نأخذ بتلك الدلالة علميًّا وعمليًّا.

وَهَذَا الْحَدِيث فِيه أَنَّ مُمَازَحَة الصَّبِيّ الَّذِي لَمْ يُمَيِّز جَائِزَة، وَفِيهِ جَوَاز تَكْنِيَة مَنْ لَمْ يُولَد لَهُ، وَجَوَاز لَعِبِ الصَّغِير بِالطَّيْرِ، وَجَوَاز تَرْك الْأَبَوَيْنِ وَلَدهمَا الصَّغِير يَلْعَب بِمَا أُبِيحَ اللَّعِب بِهِ، وَجَوَاز إِنْفَاق الْمَال فِيمَا يَتَلَهَّى بِهِ الصَّغِير مِنْ الْمُبَاحَات، وَجَوَاز إِمْسَاك الطَّيْر فِي الْقَفَص وَنَحْوِهِ.

وكل هذه الاستنباطات من الحديث يؤخذ بها لأنه لا توجد أدلة أخرى تعارضها.

الحالة الثانية: اقتران الدلالة بوجود معارض في دليل آخر؛ فيقترن فيها دليلان ظاهرهما التعارض، فأحدهما ينص على المسألة نصا جازمًا (المحكم)، والآخر من المتشابهات مما يجعل الاحتمال يتطرق إليه فوجب إسقاط الاستدلال بذلك الدليل الثاني ليبقى العمل بالمحكم الأول فقط.

تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبي · الصفحة ٢٢٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبيص ٢٢٣