تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وَيَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْمَوْضِعِ مَسَائِلُ:

إِحْدَاهَا: أَنَّ تَحْرِيمَ الْحَلَالِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ يُتَصَوُّرُ فِي أَوْجُهٍ:

الْأَوَّلُ: التَّحْرِيمُ الْحَقِيقِيُّ، وَهُوَ الْوَاقِعُ مِنَ الْكُفَّارِ؛ كَالْبَحِيرَةِ وَالسَّائِبَةِ وَالْوَصِيلَةِ وَالْحَامِي (1)، وَجَمِيعِ مَا ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى تَحْرِيمَهُ عَنِ الْكَفَّارِ بِالرَّأْيِ الْمَحْضِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ (النحل: 116)، وَمَا أَشْبَهَهُ مِنَ التَّحْرِيمِ الْوَاقِعِ فِي الْإِسْلَامِ رَأْيًا مُجَرَّدًا.

الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مُجَرَّدَ تَرْكٍ، لَا لِغَرَضٍ، بَلْ لِأَنَّ النَّفْسَ تَكْرَهُهُ بِطَبْعِهَا، أَوْ لَا تَكْرَهُهُ حَتَّى تَسْتَعْمِلَهُ، أَوْ لَا تَجِدُ ثَمَنَهُ، أَوْ تَشْتَغِلُ بِمَا هُوَ آكَدُ ... وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَمِنْهُ تَرْكُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وآله وسلم - لِأَكْلِ الضَّبِّ؛ لِقَوْلِهِ فِيهِ: «إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ» (2)

(1) () قال تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (المائدة: 103).

هذا ذم للمشركين الذين شرعوا في الدين ما لم يأذن به الله، وحرموا ما أحله الله، فجعلوا بآرائهم الفاسدة شيئًا من مواشيهم محرمًا، على حسب اصطلاحاتهم التي عارضت ما أنزل الله فقال: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ﴾ وهي: ناقة يشقون أذنها، ثم يحرمون ركوبها ويرَوْنَها محترمة. ﴿وَلَا سَائِبَةٍ﴾ وهي: ناقة، أو بقرة، أو شاة، إذا بلغت شيئًا اصطلحوا عليه، سيبوها فلا تُركَب ولا يُحمَل عليها ولا تُؤكل، وبعضهم ينذر شيئًا من ماله يجعله سائبة. ﴿وَلَا وَصِيلَةٍ﴾ وهي: أنثى الشَّاء تولد في بطن مع ذكر فلا يذبحون الذَّكر لأجلها. ﴿وَلَا حَامٍ﴾ أي: جمل يُحْمَى ظهرُه عن الركوب والحمل، إذا وصل إلى حالة معروفة بينهم.

فكل هذه مما جعلها المشركون محرمة بغير دليل ولا برهان. وإنما ذلك افتراء على الله، وصادرة من جهلهم وعدم عقلهم، ولهذا قال: ﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ فلا نَقْلَ فيها ولا عقل، ومع هذا فقد أعجبوا بآرائهم التي بنيت على الجهالة والظلم. [بتصرف من تفسير السعدي].

(2) () الضَبّ: حيوان من جنس الزَّواحف من رتبة العَظاء (السحالي)، جسمه خَشِن غليظ له ذَنَب عريض حرش أعْقَد، يكثر في صحَاري الأقطار العربيّة. (أعَافُه): أكرَهُه لأنه لم يكن مألوفًا لديه.

تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبي · الصفحة ٢١٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبيص ٢١٣