وَقَّاصٍ، قَالَ: «رَدَّ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم - التَّبَتُّلَ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ؛ لَاخْتَصَيْنَا» (1). (رواه البخاري ومسلم).
وَهَذَا كُلُّهُ وَاضِحٌ فِي أَنَّ جَمِيعَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ تَحْرِيمٌ لِمَا هُوَ حَلَالٌ فِي الشَّرْعِ، وَإِهْمَالٌ لِمَا قَصَدَ الشَّارِعُ إِعْمَالَهُ ـ وَإِنْ كَانَ يَقْصِدُ سُلُوكَ طَرِيقِ الْآخِرَةِ ـ؛ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنَ الرَّهْبَانِيَّةِ فِي الْإِسْلَامِ.
وَإِلَى مَنْعِ تَحْرِيمِ الْحَلَالِ ذَهَبَ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ؛ إِلَّا أَنَّهُ إِذَا كَانَ التَّحْرِيمُ غَيْرَ مَحْلُوفٍ عَلَيْهِ؛ فَلَا كَفَّارَةَ، وَإِنْ كَانَ مَحْلُوفًا عَلَيْهِ؛ فَفِيهِ الْكَفَّارَةُ، وَيَعْمَلُ الْحَالِفُ بِمَا أَحَلَّ اللهُ لَهُ.
وَمِنْ ذَلِكَ مَا ذَكَرَ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي عَنْ مَعْقِلِ بْنِ مُقَرِّنٍ: «أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ مَسْعُودٍ، فَقَالَ: «إِنِّي حَلَفْتُ أَنْ لَا أَنَامَ عَلَى فِرَاشِي سَنَةً»، فَتَلَا عَبْدُ اللهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (المائدة: 87)، ادْنُ فَكُلْ وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، وَنَمْ عَلَى فِرَاشِكَ».
وَفِي رِوَايَةٍ: «كَانَ مَعْقِلٌ يُكْثِرُ الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ، فَحَلَفَ أَنْ لَا يَنَامَ عَلَى فِرَاشِهِ، فَأَتَى ابْنَ مَسْعُودٍ - رضي الله عنه -، فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَرَأَ عَلَيْهِ الْآيَةَ.
وَعَنِ الْمُغِيرَةِ قَالَ: «قُلْتُ لِإِبْرَاهِيمَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾ (المائدة: 87)، أَهُوَ الرَّجُلُ يُحَرِّمُ الشَّيْءَ مِمَّا أَحَلَّ اللهُ لَهُ؟»، قَالَ: «نَعَمْ».
(1) () التَّبَتُّلُ هُوَ الِانْقِطَاعُ عَنِ النِّسَاءِ وَتَرْكُ النِّكَاحِ انْقِطَاعًا إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ.
(وَلَوْ أَذِنَ لَهُ لَاخْتَصَيْنَا) مَعْنَاهُ لَوْ أَذِنَ لَهُ فِي الِانْقِطَاعِ عَنِ النِّسَاءِ وَغَيْرِهِنَّ مِنْ مَلَاذِ الدُّنْيَا لَاخْتَصَيْنَا لِدَفْعِ شَهْوَةِ النِّسَاءِ لِيُمْكِنَنَا التَّبَتُّلُ. والخصاء: يقال خصَى الشَّخصَ/ خصَى الفحلَ: أي سَلَّ خُصْيتيه ونزعهما.