وَلِذَلِكَ؛ إِذَا الْتَزَمَ الْإِنْسَانُ بَعْضَ الْمَنْدُوبَاتِ الَّتِي يَعْلَمُ أَوْ يَظُنُّ أَنَّ الدَّوَامَ فِيهَا لَا يُوقِعُ فِي حَرَجٍ أَصْلًا، لَمْ يَقَعْ فِي نَهْيٍ، بَلْ فِي مَحْضِ الْمَنْدُوبَاتِ؛ كَالنَّوَافِلِ الرَّوَاتِبِ مَعَ الصَّلَوَاتِ، وَالتَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّكْبِيرِ فِي آثَارِهَا، وَالذِّكْرِ اللِّسَانِيِّ الْمُلْتَزَمِ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ ... وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُخِلُّ بِمَا هُوَ أَوْلَى، وَلَا يُدْخِلُ حَرَجًا بِنَفْسِ الْعَمَلِ بِهِ وَلَا بِالدَّوَامِ عَلَيْهِ.
وَفِي هَذَا الْقِسْمِ جَاءَ التَّحْرِيضُ عَلَى الدَّوَامِ صَرِيحًا، وَمِنْهُ كَانَ جَمْعُ عُمَرَ - رضي الله عنه - النَّاسَ فِي رَمَضَانَ فِي الْمَسْجِدِ، وَمَضَى عَلَيْهِ النَّاسُ؛ لِأَنَّهُ:
- كَانَ أَوَّلًا سُنَّةً ثَابِتَةً مِنْ رَسُولِ اللهِ ص.
- ثُمَّ إِنَّهُ أَقَامَ لِلنَّاسِ بِمَا كَانُوا قَادِرِينَ عَلَيْهِ وَمُحِبِّينَ فِيهِ.
- وَفِي شَهْرٍ وَاحِدٍ مِنَ السَّنَةِ لَا دَائِمًا.
- وَمَوْكُولًا إِلَى اخْتِيَارِهِمْ.
وَقَدْ فَهِمَ السَّلَفُ الصَّالِحُ أَنَّ الْقِيَامَ فِي الْبُيُوتِ أَفْضَلُ، فَكَانَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ يَنْصَرِفُونَ فَيَقُومُونَ فِي مَنَازِلِهِمْ، وَمَعَ ذَلِكَ؛ فَقَدْ قَالَ: «نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ هَذِهِ»، فَأَطْلَقَ عَلَيْهَا لَفْظَ الْبِدْعَةِ ـ كَمَا تَرَى ـ نَظَرًا ـ وَاللهُ أَعْلَمُ ـ إِلَى اعْتِبَارِ الدَّوَامِ، وَإِنْ كَانَ شَهْرًا فِي السَّنَةِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِيمَنْ قَبْلَهُ عَمَلًا دَائِمًا، أَوْ أَنَّهُ أَظْهَرَهُ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ مُخَالِفًا لِسَائِرِ النَّوَافِلِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي أَصْلِهِ وَاقِعًا كَذَلِكَ.
فَلَمَّا كَانَ الدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ الْقِيَامِ عَلَى الْخُصُوصِ وَاضِحًا؛ قَالَ: «نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ هَذِهِ»، فَحَسَّنَهَا بِصِيغَةِ «نِعْمَ» الَّتِي تَقْتَضِي مِنَ الْمَدْحِ مَا تَقْتَضِيهِ صِيغَةُ التَّعَجُّبِ لَوْ قَالَ: مَا أَحْسَنَهَا مِنْ بِدْعَةٍ! وَذَلِكَ يُخْرِجُهَا قَطْعًا عَنْ كَوْنِهَا بِدْعَةً.
وَمِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ أَجْرَيْنَا الْكَلَامَ عَلَى مَا نَهَى - صلى الله عليه وآله وسلم - عَنْهُ مِنَ التَّعَبُّدِ الْمُخَوِّفِ الْحَرَجَ فِي الْمَآلِ، وَاسْتَسْهَلْنَا وَضْعَ ذَلِكَ فِي قِسْمِ الْبِدَعِ الْإِضَافِيَّةِ؛ تَنْبِيهًا عَلَى وَجْهِهَا وَوَضْعِهَا فِي الشَّرْعِ مَوَاضِعَهَا، حَتَّى لَا يَغْتَرَّ بِهَا مُغْتَرٌّ، فَيَأْخُذَهَا عَلَى غَيْرِ وَجْهِهَا، وَيَحْتَجَّ بِهَا عَلَى الْعَمَلِ بِالْبِدْعَةِ الْحَقِيقِيَّةِ قِيَاسًا عَلَيْهَا، وَلَا يَدْرِي مَا عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا تَجَشَّمْنَا إِطْلَاقَ اللَّفْظِ هُنَا، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُفْعَلَ لَوْلَا الضَّرُورَةُ، وَباللهِ التَّوْفِيقُ.