تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الْمُوَرِّثَ لِلْحَرَجِ عِنْدَ الدَّوَامِ مَنْفِيٌّ عَنِ الشَّرِيعَةِ؛ كَمَا أَنْ أَصْلَ الْحَرَجِ مَنْفِيٌّ عَنْهَا، لِأَنَّهُ - صلى الله عليه وآله وسلم - بُعِثَ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ، وَلَا سَمَاحَ مَعَ دُخُولِ الْحَرَجِ؛ فَكُلُّ مَنْ أَلْزَمَ نَفْسَهُ مَا يَلْقَى فِيهِ الْحَرَجَ؛ فَقَدْ خَرَجَ عَنْ الِاعْتِدَالِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، وَصَارَ إِدْخَالُهُ لِلْحَرَجِ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ لَا مِنَ الشَّارِعِ.

فَإِنْ دَخَلَ فِي الْعَمَلِ عَلَى شَرْطِ الْوَفَاءِ:

- فَإِنْ وَفَّى؛ فَحَسَنٌ بَعْدَ الْوُقُوعِ، إِذْ قَدْ ظَهَرَ أَنَّ ذَلِكَ الْعَمَلَ:

• إِمَّا غَيْرُ شَاقٍّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَتَى بِهِ بِشَرْطِهِ.

• وَإِمَّا شَاقٌّ صَبَرَ عَلَيْهِ فَلَمْ يُوفِ النَّفْسَ حَقَّهَا مِنَ الرِّفْقِ.

- وَإِنْ لَمْ يُوفِّ؛ فَكَأَنَّهُ نَقَضَ عَهْدَ اللهِ، وَهُوَ شَدِيدٌ، فَلَوْ بَقِيَ عَلَى أَصْلِ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ مِنْ الِالْتِزَامِ؛ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِ مَا يَتَّقِي مِنْهُ.

لَكِنْ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إِنَّ النَّهْيَ هَاهُنَا مُعَلَّقٌ بِالرِّفْقِ الرَّاجِعِ إِلَى الْعَامِلِ؛ كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ ل: «نَهَى النَّبِيُّ ص عَنِ الْوِصَالِ رَحْمَةً لَهُمْ» (رواه البخاري)، فَكَأَنَّهُ قَدِ اعْتَبَرَ حَظَّ النَّفْسِ فِي التَّعَبُّدِ، فَقِيلَ لَهُ: افْعَلْ وَاتْرُكْ؛ أَيْ: لَا تَتَكَلَّفْ مَا يَشُقُّ عَلَيْكَ، كَمَا لَا تَتَكَلَّفُ فِي الْفَرَائِضِ مَا يَشُقُّ عَلَيْكَ؛ لِأَنَّ اللهَ إِنَّمَا وَضَعَ الْفَرَائِضَ عَلَى الْعِبَادِ عَلَى وَجْهٍ مِنَ التَّيْسِيرِ مُشْتَرَكٍ لِلْقَوِيِّ وَالضَّعِيفِ، وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، وَالْحُرِّ وَالْعَبْدِ، وَالرَّجُلِ والْمَرْأَةِ، حَتَّى إِذَا كَانَ بَعْضُ الْفَرَائِضِ يُدْخِلُ الْحَرَجَ عَلَى الْمُكَلَّفِ؛ يَسْقُطُ عَنْهُ جُمْلَةً، أَوْ عُوِّضَ عَنْهُ مَا لَا حَرَجَ فِيهِ، كَذَلِكَ النَّوَافِلُ الْمُتَكَلَّمُ فِيهَا.

وَإِذَا رُوعِيَ حَظُّ النَّفْسِ؛ فَقَدْ صَارَ الْأَمْرُ فِي الْإِيغَالِ (1) إِلَى الْعَامِلِ، فَلَهُ أَنْ لَا يُمَكِّنَهَا مِنْ حَظِّهَا، وَأَنْ يَسْتَعْمِلَهَا فِيمَا قَدْ يَشُقُّ عَلَيْهَا بِالدَّوَامِ، فَلَا يَكُونُ إذَنْ مَنْهِيًّا ـ عَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ ـ، فَكَمَا يَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ حَقٌّ لِغَيْرِهِ مَا دَامَ طَالِبًا لَهُ، وَلَهُ الْخَيَرَةُ فِي

(1) () الايغال: السير الشديد، أوغل الشَّخصُ في الدِّين: تعمَّق فيه.

تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبي · الصفحة ٢٠٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبيص ٢٠٠