تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قَالَ: «كَيْفَ مَنْ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمَيْنِ؟».

قَالَ: «وَدِدْتُ أَنِّي طُوِّقْتُ ذَلِكَ» (1) (رواه مسلم).

فَمَعْنَاهُ ـ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ـ وَدِدْتُ أَنِّي طُوِّقْتُ الدَّوَامَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا؛ فَقَدْ كَانَ - صلى الله عليه وآله وسلم - يُوَاصِلُ الصِّيَامَ وَيَقُولُ: ««إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إِنِّي يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ». (رواه البخاري). وَفِي الصَّحِيحِ عَائِشَةَ - رضي الله عنها -؛ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم - يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ: لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ: لَا يَصُومُ» (رواه البخاري ومسلم).

الدُّخُولُ فِي عَمَلٍ عَلَى نِيَّةِ الِالْتِزَامِ لَهُ:

إِذَا ثَبَتَ هَذَا؛ فَالدُّخُولُ فِي عَمَلٍ عَلَى نِيَّةِ الِالْتِزَامِ لَهُ إِنْ كَانَ فِي الْمُعْتَادِ، بِحَيْثُ إِذَا دَاوَمَ عَلَيْهِ؛ أَوْرَثَ مَلَلًا، يَنْبَغِي أَنْ يُعْتَقَدَ أَنَّ هَذَا الِالْتِزَامَ مَكْرُوهٌ ابْتِدَاءً، إِذْ هُوَ مُؤَدٍّ إِلَى أُمُورِ جَمِيعُهَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ:

أَحَدُهَا: أَنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ - صلى الله عليه وآله وسلم - أَهْدَى إلَيْهِ فِي هَذَا الدِّينِ التَّسْهِيلَ وَالتَّيْسِيرَ، وَهَذَا الْمُلْتَزِمَ يُشْبِهُ مَنْ لَمْ يَقْبَلْ هَدِيَّتَهُ، وَذَلِكَ يُضَاهِي (2) رَدَّهَا عَلَى مُهْدِيهَا، وَهُوَ غَيْرُ لَائِقٍ بِالْمَمْلُوكِ مَعَ سَيِّدِهِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالْعَبْدِ مَعَ رَبِّهِ؟!

وَالثَّانِي: خَوْفُ التَّقْصِيرِ أَوِ الْعَجْزِ عَنِ الْقِيَامِ بِمَا هُوَ أَوْلَى وَآكَدُ فِي الشَّرْعِ.

وَقَالَ - صلى الله عليه وآله وسلم - إِخْبَارًا عَنْ دَاوُدَ - عليها السلام -: إِنَّهُ كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى (رواه البخاري ومسلم) تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُضْعِفْهُ الصِّيَامُ عَنْ لِقَاءٍ لِعَدُوٍّ فَيَفِرُّ وَيَتْرُكُ الْجِهَادَ فِي مَظَانِّ تَأْكِيدِهِ بِسَبَبِ ضَعْفِهِ.

وَقِيلَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رضي الله عنه -: «إِنَّكَ لَتُقِلُّ الصَّوْمَ»، فَقَالَ: «إِنَّهُ يَشْغَلُنِي عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ».

(1) () (أَنِّي طُوِّقْتُ ذَلِكَ) بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ: أُيْ جُعِلَ ذَلِكَ دَاخِلًا فِي قُدْرَتِي.

(2) () يُضَاهِي: يُشَابِهُ.

تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبي · الصفحة ١٨٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبيص ١٨٩