تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

النَّبِيُّ - صلى الله عليه وآله وسلم - وَالسَّلَفُ الصَّالِحُ؛ كَالصَّلَوَاتِ حِينَ وُضِعَتْ بَعِيدَةً عَنْ مَدَارِكِ الْعُقُولِ فِي أَرْكَانِهَا وَتَرْتِيبِهَا وَأَزْمَانِهَا وَكَيْفِيَّاتِهَا وَمَقَادِيرِهَا، وَسَائِرِ مَا كَانَ مِثْلَهَا؛ فَلَا يَدْخُلُ الْعِبَادَاتِ الرَّأْيُ وَالِاسْتِحْسَانُ هَكَذَا مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ كَالْمُنَافِي لِوَضْعِهَا، وَلِأَنَّ الْعُقُولَ لَا تُدْرِكُ مَعَانِيَهَا عَلَى التَّفْصِيلِ.

وَكَذَلِكَ حَافَظَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَرْكِ إِجْرَاءِ الْقِيَاسِ فِيهَا؛ فَهُمْ مُحَافِظُونَ جَمِيعًا فِي الْعِبَادَاتِ عَلَى الِاتِّبَاعِ لِنُصُوصِهَا وَمَنْقُولَاتِهَا؛ بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِنَ الْعَادَاتِ.

فَالْمُخَصِّصُ كَالْمُخَالِفِ لِمَفْهُومِ التَّوْسِعَةِ، وَإِنْ لَمْ يُفْهَمْ مِنْ ذَلِكَ تَوَسُّعُهُ؛ فَلَا بُدَّ مِنَ الرُّجُوعِ إِلَى أَصْلِ الْوَقْفِ مِنَ الْمَنْقُولِ؛ لِأَنَّا إِنْ خَرَجْنَا عَنْهُ؛ شَكَكْنَا فِي كَوْنِ الْعِبَادَةِ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ مَشْرُوعَةً؛ أَوْ قَطَعْنَا بِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِمَشْرُوعَةٍ، فَيَتَعَيَّنُ الرُّجُوعُ إِلَى الْمَنْقُولِ وُقُوفًا مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ.

ثُمَّ إِذَا فَهِمْنَا التَّوْسِعَةَ؛ فَلَا بُدَّ مِنَ اعْتِبَارِ أَمْرٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ بِحَيْثُ لَا يُوهِمُ التَّخْصِيصُ زَمَانًا دُونَ غَيْرِهِ، أَوْ مَكَانًا دُونَ غَيْرِهِ، أَوْ كَيْفِيَّةٍ دُونَ غَيْرِهَا، أَوْ يُوهِمُ انْتِقَالَ الْحُكْمِ مِنْ السُّنَّةِ ـ مَثَلًا ـ إِلَى الْفَرْضِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ الدَّوَامُ عَلَيْهِ عَلَى كَيْفِيَّةٍ مَا ـ فِي مَجَامِعِ النَّاسِ أَوْ مَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ ـ مُوهِمًا لِذَلِكَ.

وَمِنْ أَمْثِلَةِ هَذَا الْأَصْلِ الْتِزَامُ الدُّعَاءِ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ بِالْهَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ مُعْلَنًا بِهَا فِي الْجَمَاعَاتِ.

سَابِعًا: بِنَاءُ طَائِفَةٍ مِنْهُمُ الظَّوَاهِرَ الشَّرْعِيَّةَ عَلَى تَأْوِيلاتٍ لا تُعْقَلُ يَدَّعُونَ فِيهَا أَنَّهَا هِيَ الْمَقْصُودُ والْمُرَادُ، لَا مَا يَفْهَمُ الْعَرَبِيُّ مِنْهَا ـ مُسْنَدَةً عِنْدَهُمْ إِلَى أَصْلٍ لَا يُعْقَلُ:

وَذَلِكَ أَنَّهُمْ ـ فِيمَا ذَكَرَهُ الْعُلَمَاءُ ـ قَوْمٌ أَرَادُوا إِبْطَالَ الشَّرِيعَةِ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا، وَإِلْقَاءَ ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَ النَّاسِ؛ لِيَنْحَلَّ الدِّينُ فِي أَيْدِيهِمْ، فَلَمْ يُمْكِنْهُمْ إِلْقَاءُ ذَلِكَ صَرَاحًا؛ فَيُرَدُّ ذَلِكَ فِي وُجُوهِهِمْ وَتَمْتَدُّ إِلَيْهِمْ أَيْدِي الْحُكَّامِ، فَصَرَفُوا أَعْنَاقَهُمْ إِلَى التَّحَيُّلِ عَلَى مَا قَصَدُوا بِأَنْوَاعٍ مِنَ الْحِيَلِ، مِنْ جُمْلَتِهَا صَرْفُ الْهَمِّ مِنَ الظَّوَاهِرِ؛ إِحَالَةً عَلَى أَنَّ لَهَا بَوَاطِنَ هِيَ الْمَقْصُودَةُ، وَأَنَّ الظَّوَاهِرَ غَيْرُ مُرَادَةٍ.

تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبي · الصفحة ١٥٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبيص ١٥٣