تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

شُبْهَةٌ: أَحَادِيثَ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ هَلْ يُشْتَرَطُ فِي نَقْلِهَا صِحَّةُ الْإِسْنَادِ:

فَإِنْ قِيلَ: هَذَا كُلُّهُ رَدٌّ عَلَى الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ اعْتَمَدُوا عَلَى الْأَحَادِيثِ الَّتِي لَمْ تَبْلُغْ دَرَجَةَ الصَّحِيحِ؛ فَإِنَّهُمْ كَمَا نَصُّوا عَلَى اشْتِرَاطِ صِحَّةِ الْإِسْنَادِ؛ كَذَلِكَ نَصُّوا أَيْضًا عَلَى أَنَّ أَحَادِيثَ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ لَا يُشْتَرَطُ فِي نَقْلِهَا لِلِاعْتِمَادِ صِحَّةُ الْإِسْنَادِ، بَلْ إِنَّ كَانَ ذَلِكَ؛ فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَإِلَّا؛ فَلَا حَرَجَ عَلَى مَنْ نَقَلَهَا وَاسْتَنَدَ إِلَيْهَا، فَقَدْ فَعَلَهُ الْأَئِمَّةُ كَمَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ فِي «رَقَائِقِهِ»، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي «رَقَائِقِهِ»، وَسُفْيَانَ فِي «جَامِعِ الْخَيْرِ»، وَغَيْرِهِمْ.

فَكُلُّ مَا فِي هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْمَنْقُولَاتِ رَاجِعٌ إِلَى التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ، وَإِذَا جَازَ اعْتِمَادُ مِثْلِهِ؛ جَازَ فِيمَا كَانَ نَحْوَهُ مِمَّا يُرْجَعُ إِلَيْهِ، كَصَلَاةِ الرَّغَائِبِ، وَالْمِعْرَاجِ، وَلَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، وَلَيْلَةِ أَوَّلِ جُمْعَةٍ مِنْ رَجَبٍ، وَصَلَاةِ الْإِيمَانِ، وَالْأُسْبُوعِ، وَصَلَاةِ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ، وَيَوْمِ عَاشُورَاءَ، وَصِيَامِ رَجَبٍ، وَالسَّابِعِ وَعِشْرِينَ مِنْهُ ... وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ جَمِيعَهَا رَاجِعٌ إِلَى التَّرْغِيبِ فِي الْعَمَلِ الصَّالِحِ، فَالصَّلَاةُ عَلَى الْجُمْلَةِ ثَابِتٌ أَصْلُهَا، وَكَذَلِكَ الصِّيَامُ وَقِيَامُ اللَّيْلِ؛ كُلُّ ذَلِكَ رَاجِعٌ إِلَى خَيْرٍ نُقِلَتْ فَضِيلَتُهُ عَلَى الْخُصُوصِ.

وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا؛ فَكُلُّ مَا نُقِلَتْ فَضِيلَتُهُ فِي الْأَحَادِيثِ؛ فَهُوَ مِنْ بَابِ التَّرْغِيبِ، فَلَا يَلْزَمُ فِيهِ شَهَادَةُ أَهْلِ الْحَدِيثِ بِصِحَّةِ الْإِسْنَادِ؛ بِخِلَافِ أَحَادِيثِ الْأَحْكَامِ.

فَإِذَنْ؛ هَذَا الْوَجْهُ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ مِنْ طَرِيقِ الرَّاسِخِينَ لَا مِنْ طَرِيقِ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ، حَيْثُ فَرَّقُوا بَيْنَ أَحَادِيثِ الْأَحْكَامِ فَاشْتَرَطُوا فِيهَا الصِّحَّةَ، وَبَيْنَ أَحَادِيثِ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ فَلَمْ يَشْتَرِطُوا فِيهَا ذَلِكَ.

فَالْجَوَابُ: أَنَّ مَا ذَكَرَهُ عُلَمَاءُ الْحَدِيثِ مِنَ التَّسَاهُلِ فِي أَحَادِيثِ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ لَا يَنْتَظِمُ مَعَ مَسْأَلَتِنَا الْمَفْرُوضَةِ، وَبَيَانُهُ: أَنَّ الْعَمَلَ الْمُتَكَلَّمَ فِيهِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ:

- مَنْصُوصًا عَلَى أَصْلِهِ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا.

- أَوْ لَا يَكُونُ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ لَا جُمْلَةً وَلَا تَفْصِيلًا.

تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبي · الصفحة ١٣٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبيص ١٣٩