تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وَأَمَّا الِاسْتِقْرَاءُ؛ فَغَيْرُ نَافِعٍ أَيْضًا فِي هَذَا الْمَطْلَبِ؛ لِأَنَّا لَمَّا نَظَرْنَا فِي طُرُقِ الْبِدَعِ مِنْ حِينِ نَبَتَتْ؛ وَجَدْنَاهَا تَزْدَادُ عَلَى الْأَيَّامِ، وَلَا يَأْتِي زَمَانٌ إِلَّا وَغَرِيبَةٌ مِنْ غَرَائِبِ الِاسْتِنْبَاطِ تَحْدُثُ، إِلَى زَمَانِنَا هَذَا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ فَيُمْكِنُ أَنْ يَحْدُثَ بَعْدَ زَمَانِنَا اسْتِدْلَالَاتٌ أُخَرُ لَا عَهْدَ لَنَا بِهَا فِيمَا تَقَدَّمَ، لَاسِيَّمَا عِنْدَ كَثْرَةِ الْجَهْلِ، وَقِلَّةِ الْعِلْمِ، وَبُعْدِ النَّاظِرِينَ فِيهِ عَنْ دَرَجَةِ الِاجْتِهَادِ، فَلَا يُمْكِنُ إذَنْ حَصْرُهَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.

وَلَا يُقَالُ: إِنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى مُخَالَفَةِ طَرِيقِ الْحَقِّ؛ فَإِنَّ وُجُوهَ الْمُخَالَفَاتِ لَا تَنْحَصِرُ أَيْضًا، فَثَبَتَ أَنَّ تَتَبُّعَ هَذَا الْوَجْهِ عَنَاءٌ، لَكِنَّا نَذْكُرُ مِنْ ذَلِكَ أَوْجُهًا كُلِّيَّةً يُقَاسُ عَلَيْهَا مَا سِوَاهَا، فَمِنْهَا:

أولا: اعْتِمَادُهُمْ عَلَى الْأَحَادِيثِ الْوَاهِيَةِ الضَّعِيفَةِ والْمَكْذُوبِ فِيهَا عَلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم - وَالَّتِي لَا يَقْبَلُهَا أَهْلُ صِنَاعَةِ الْحَدِيثِ فِي الْبِنَاءِ عَلَيْهَا:

كَحَدِيثِ الِاكْتِحَالِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَإِكْرَامِ الدِّيكِ الْأَبْيَضِ، وَأَكْلِ الْبَاذِنْجَانِ بِنِيَّةٍ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. فَإِنَّ أَمْثَالَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ ـ عَلَى مَا هُوَ مَعْلُومٌ ـ لَا يُبْنَى عَلَيْهَا حُكْمٌ، وَلَا تُجْعَلُ أَصْلًا فِي التَّشْرِيعِ أَبَدًا، وَمَنْ جَعَلَهَا كَذَلِكَ؛ فَهُوَ جَاهِلٌ أَوْ مُخْطِئٌ فِي نَقْلِ الْعِلْمِ، فَلَمْ يُنْقُلِ الْأَخْذُ بِشَيْءٍ مِنْهَا عَمَّنْ يُعْتَمَدُ بِهِ فِي طَرِيقَةِ الْعِلْمِ وَلَا طَرِيقَةِ السُّلُوكِ.

وَالْأَحَادِيثُ الضَّعِيفَةُ الْإِسْنَادِ لَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وآله وسلم - قَالَهَا، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُسْنَدَ إِلَيْهَا حُكْمٌ، فَمَا ظَنُّكَ بِالْأَحَادِيثِ الْمَعْرُوفَةِ الْكَذِبِ؟! نَعَمْ؛ الْحَامِلُ عَلَى اعْتِمَادِهَا فِي الْغَالِبِ إِنَّمَا هُوَ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْهَوَى الْمُتَّبَعِ.

وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى فَرْضِ أَنْ لَا يُعَارِضَ الْحَدِيثَ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ لَهُ مُعَارَضٌ؛ فَأَحْرَى أَنْ لَا يُؤْخَذَ بِهِ؛ لِأنَّ الْأَخْذَ بِهِ هَدْمٌ لِأَصْلٍ مِنْ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ.

تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبي · الصفحة ١٣٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبيص ١٣٧