تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

- وَالثَّانِي: بِالْمَعْنَى الَّذِي أَعْطَاهُ التَّقْسِيمُ، وَهُوَ عَدَمُ الرُّسُوخِ فِي الْعِلْمِ، وَمِنْ جِهَةِ الْجَهْلِ حَصَلَ لَهُ الزَّيْغُ؛ لِأَنَّ مِنْ نُفِيَ عَنْهُ طَرِيقُ الِاسْتِنْبَاطِ وَاتِّبَاعُ الْأَدِلَّةِ لِبَعْضِ الْجَهَالَاتِ؛ لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَتَّبِعَ الْأَدِلَّةَ الْمُحْكَمَةَ وَلَا الْمُتَشَابِهَةَ.

وَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّهُ يَتْبَعُ الْمُحْكَمَ؛ لَمْ يَكُنْ اتِّبَاعُهُ مُفِيدًا لِحُكْمِهِ؛ لِإِمْكَانِ أَنْ يَتْبَعَهُ عَلَى وَجْهٍ وَاضِحِ الْبُطْلَانِ أَوْ مُتَشَابِهٍ، فَمَا ظَنُّكَ بِهِ إِذَا اتَّبَعَ الْمُتَشَابِهَ؟!.

ثُمَّ اتِّبَاعُهُ لِلْمُتَشَابِهِ ـ وَلَوْ كَانَ مِنْ جِهَةِ الِاسْتِرْشَادِ بِهِ لَا لِلْفِتْنَةِ بِهِ ـ؛ لَمْ يَحْصُلْ بِهِ مَقْصُودًا عَلَى حَالٍ، فَمَا ظَنُّكَ بِهِ إِذَا اتَّبَعَ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ؟!.

وَهَكَذَا الْمُحْكَمُ إِذَا اتَّبَعَهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ بِهِ، فَكَثِيرًا مَا تَرَى الْجُهَّالَ يَحْتَجُّونَ لِأَنْفُسِهِمْ بِأَدِلَّةٍ فَاسِدَةٍ وَبِأَدِلَّةٍ صَحِيحَةٍ؛ اقْتِصَارًا بِالنَّظَرِ عَلَى دَلِيلٍ مَا، وَاطِّرَاحًا لِلنَّظَرِ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْأَدِلَّةِ الْأُصُولِيَّةِ وَالْفُرُوعِيَّةِ الْعَاضِدَةِ لِنَظَرِهِ أَوِ الْمُعَارَضَةِ لَهُ (1). وَكَثِيرٌ مِمَّنْ يَدَّعِي الْعِلْمَ يَتَّخِذُ هَذَا الطَّرِيقَ مَسْلَكًا، وَرُبَّمَا أَفْتَى بِمُقْتَضَاهُ وَعَمِلَ عَلَى وَفْقِهِ إِذَا كَانَ لَهُ فِيهِ غَرَضٌ.

وَكَذَلِكَ الْأَمْرُ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ فِيهَا الْهَوَى أَوَّلًا ثُمَّ يَطْلُبُ لَهَا الْمَخْرَجَ مِنْ كَلَامِ الْعُلَمَاءِ أَوْ مِنْ أَدِلَّةِ الشَّرْعِ وَكَلَامِ الْعَرَبِ أَبَدًا؛ لِاتِّسَاعِهِ وَتَصَرُّفِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا كَثِيرَةٌ، لَكِنْ يَعْلَمُ الرَّاسِخُونَ الْمُرَادَ مِنْهُ؛ مِنْ أَوَّلِهِ، وَآخِرِهِ، وَفَحْوَاهُ، أَوْ بِسَاطِ حَالِهِ، أَوْ قَرَائِنِهِ، فَمَنْ لَا يَعْتَبِرُهُ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ وَيَعْتِبَرُ مَا ابْتَنَى عَلَيْهِ؛ زَلَّ فِي فَهْمِهِ، وَهُوَ شَأْنُ مَنْ يَأْخُذُ الْأَدِلَّةَ مِنْ أَطْرَافِ الْعِبَارَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَلَا يَنْظُرُ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ، فَيُوشِكُ أَنْ يَزِلَّ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ شَأْنِ الرَّاسِخِينَ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ شَأْنِ مَنِ اسْتَعْجَلَ؛ طَلَبًا لِلْمَخْرَجِ فِي دَعْوَاهُ.

(1) () اطَّرحَ، يَطَّرِح، اطِّراحًا: طرح؛ ألقى، قذف.

والمعنى أنهم يقْتصرون عَلَى دَلِيلٍ مَا، وَيتركون غَيْرِهِ مِنَ الْأَدِلَّةِ الْأُصُولِيَّةِ وَالْفُرُوعِيَّةِ المؤيدة أَوِ الْمُعَارَضَةِ لَهُم.

تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبي · الصفحة ١٣٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبيص ١٣٤