تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

* وَأَمَّا الِاخْتِلَافُ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ خَارِجًا عَلَى أَهْلِ السُّنَّةِ أَوْ غَيْرَ خَارِجٍ: فَلِأَنَّ غَيْرَ الْخَارِجِ لَمْ يَزِدْ عَلَى الدَّعْوَةِ مَفْسَدَةً أُخْرَى يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ إِثْمٌ، وَالْخَارِجُ زَادَ الْخُرُوجَ عَلَى الْأَئِمَّةِ وَهُوَ مُوجِبٌ لِلْقَتْلِ، وَالسَّعْيَ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ، وَإِثَارَةَ الْفِتَنِ وَالْحُرُوبِ، إِلَى حُصُولِ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ بَيْنَ أُولَئِكَ الْفِرَقِ، فَلَهُ مِنَ الْإِثْمِ الْعَظِيمِ أَوْفَرُ حَظٍّ.

وَمِثَالُهُ قِصَّةُ الْخَوَارِجِ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم -: «يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ، وَيَدَعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ» (رواه البخاري ومسلم)، وَأَخْبَارُهُمْ شَهِيرَةٌ.

وَقَدْ لَا يَخْرُجُونَ هَذَا الْخُرُوجَ، بَلْ يَقْتَصِرُونَ عَلَى الدَّعْوَةِ، لَكِنْ عَلَى وَجْهٍ أَدْعَى إِلَى الْإِجَابَةِ، لِأَنَّ فِيهِ نَوْعًا مِنَ الْإِكْرَاهِ وَالْإِخَافَةِ، فَلَا هُوَ مُجَرَّدُ دَعْوَةٍ، وَلَا هُوَ شَقُّ الْعَصَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَذَلِكَ أَنْ يَسْتَعِينَ عَلَى دَعْوَتِهِ بِأُولِي الْأَمْرِ مِنَ الْوُلَاةِ وَالسَّلَاطِينِ؛ فَإِنَّ الِاقْتِدَاءَ هُنَا أَقْوَى بِسَبَبِ خَوْفِ الْوُلَاةِ فِي الْإِيقَاعِ بِالْآبِي (1) سِجْنًا أَوْ ضَرْبًا أَوْ قَتْلًا.

فَهَذَا الْوَجْهُ، الْوِزْرُ فِيهِ أَعْظَمُ مِنْ مُجَرَّدِ الدَّعْوَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ:

الْأَوَّلُ: الْإِخَافَةُ وَالْإِكْرَاهُ بِالْإِسْلَامِ وَالْقَتْلِ.

وَالْآخَرُ: كَثْرَةُ الدَّاخِلِينَ فِي الدَّعْوَةِ؛ لِأَنَّ الْإِعْذَارَ وَالْإِنْذَارَ الْأُخْرَوِيَّ قَدْ لَا يَقُومُ لَهُ كَثِيرٌ مِنَ النُّفُوسِ، بِخِلَافِ الدُّنْيَوِيِّ، فَالْمُبْتَدِعُ إِذَا لَمْ يَنْتَصِرْ بِإِجَابَةِ دَعْوَتِهِ بِمُجَرَّدِ الْإِعْذَارِ وَالْإِنْذَارِ الَّذِي يَعِظُ بِهِ، حَاوَلَ الِانْتِهَاضَ بِأُولِي الْأَمْرِ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ أَحْرَى بِالْإِجَابَةِ.

* وَأَمَّا الِاخْتِلَافُ مِنْ جِهَةِ كَوْنِ الْبِدْعَةِ حَقِيقِيَّةً أَوْ إِضَافِيَّةً: فَإِنَّ الْحَقِيقِيَّةَ أَعْظَمُ وِزْرًا، لِأَنَّهَا الَّتِي بَاشَرَهَا الْنَهْيُ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ، وَلِأَنَّهَا مُخَالَفَةٌ مَحْضَةٌ وَخُرُوجٌ عَنِ السُّنَّةِ ظَاهِرٌ، كَالْقَوْلِ بِالْقَدَرِ، وَإِنْكَارِ الْإِجْمَاعِ، وَإِنْكَارِ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ، وَالْقَوْلِ بِالْإِمَامِ الْمَعْصُومِ ... وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.

(1) () الآبِي: الذي يأبَى ويرفض قبول الاستجابة لدعاة البدعة.

تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبي · الصفحة ١٠٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبيص ١٠٧