تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فصل

لَفْظُ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَأَهْلِ الْبِدَعِ

إِنَّ لَفْظَ: «أَهْلِ الْأَهْوَاءِ»، وَعِبَارَةَ: «أَهْلِ الْبِدَعِ»؛ إِنَّمَا تُطْلَقُ حَقِيقَةً عَلَى الَّذِينَ ابْتَدَعُوهَا، وَقَدَّمُوا فِيهَا شَرِيعَةَ الْهَوَى؛ بِالِاسْتِنْبَاطِ، وَالنَّصْرِ لَهَا، وَالِاسْتِدْلَالِ عَلَى صِحَّتِهَا فِي زَعْمِهِمْ، حَتَّى عُدَّ خِلَافُهُمْ خِلَافًا، وَشُبَهُهُمْ مَنْظُورًا فِيهَا، وَمُحْتَاجًا إِلَى رَدِّهَا وَالْجَوَابِ عَنْهَا؛ كَمَا نَقُولُ فِي أَلْقَابِ الْفِرَقِ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْقَدَرِيَّةِ والْمُرْجِئَةِ وَالْخَوَارِجِ وَالْبَاطِنِيَّةِ وَمَنْ أَشْبَهَهُمْ بِأَنَّهَا أَلْقَابٌ لِمَنْ قَامَ بِتِلْكَ النِّحَلِ مَا بَيْنَ مُسْتَنْبِطٍ لَهَا وَنَاصِرٍ لَهَا وَذَابٍّ عَنْهَا؛ كَلَفْظِ: «أَهْلِ السُّنَّةِ»؛ إِنَّمَا يُطْلَقُ عَلَى نَاصِرِيهَا، وَعَلَى مَنِ اسْتَنْبَطَ عَلَى وَفْقِهَا، وَالْحَامِينَ لِذِمَارِهَا (1).

وَيُرَشِّحُ ذَلِكَ (2) أَنَّ قَوْلَ اللهِ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ (الأنعام: 159) يُشْعِرُ بِإِطْلَاقِ اللَّفْظِ عَلَى مَنْ جَعَلَ ذَلِكَ الْفِعْلَ الَّذِي هُوَ التَّفْرِيقُ، وَلَيْسَ إِلَّا الْمُخْتَرِعُ أَوْ مَنْ قَامَ مَقَامَهُ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (آل عمران: 105). وَقَوْلُهُ تعالى:: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ (آل عمران: 7)، فَإِنَّ اتِّبَاعَ الْمُتَشَابِهِ مُخْتَصٌّ بِمَنِ انْتَصَبَ مَنْصِبَ الْمُجْتَهِدِ لَا بِغَيْرِهِمْ.

وَكَذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وآله وسلم -: «إِنَّ اللهَ لاَ يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ العِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» (رواه البخاري ومسلم). لِأَنَّهُمْ أَقَامُوا أَنْفُسَهُمْ مَقَامَ الْمُسْتَنْبِطِ لِلْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْمُقْتَدَى بِهِ فِيهَا، بِخِلَافِ الْعَوَامِّ،

(1) () الذِمَار: ما ينبغي حمايتُه، والدفاعُ عنه، كالأهل، والعِرْض.

(2) () يُرَشَّحُ: يُقَوِّي ويَدعَم.

تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبي · الصفحة ١٠٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبيص ١٠٢