الأول: أن يكون فاعله قادراً على إيقاع ما يهدد به، والمأمور عاجزاً عن الدفع ولو بالفرار.
الثاني: أن يغلب على ظنه أنه إذا امتنع أوقع به ذلك.
الثالث: أن يكون ما هَدَّده به فورياً، فلو قال: إن لم تفعل كذا ضربتك غدا لا يُعد مُكرهاً، ويستثنى ما إذا ذكر زمناً قريباً جداً أو جرت العادة بأنه لا يُخلف.
الرابع: أن لا يظهر من المأمور ما يدل على اختياره) [فتح الباري - 12/ 311].
ولم يذكر ابن حجر في كلامه هذا صفة التهديد الذي يُعَد إكراها، وإنما ذكره بعد ذلك، وينبغي أن يكون هذا شرطاً خامساً، فنقول:
الخامس: نوع ما يهدده به أو ما يسمى (حَدّ الإكراه). فقال ابن حجر (واختُلف فيما يهدد به، فاتفقوا على القتل وإتلاف العضو والضرب الشديد والحبس الطويل، واختلفوا في يسير الضرب والحبس كيوم ٍ أو يومين) أهـ، والأمور المذكورة في حَدّ الإكراه قسَّمها الأحناف إلى قسمين:
الأول: إكراه ملجيء أو تام: وذلك بالتهديد بالقتل والقطع وبالضرب الذي يخاف منه تَلَف النفس أو العضو.
والآخر: إكراه غير ملجيء أو ناقص: وهو ما كان بالحَبْس والقيد والضرب الذي لا يخاف منه التلف. [بدائع الصنائع- للكاساني، 9/ 4479].
ومذهب جمهور العلماء أن الترخص في الكفر لا يكون إلا بالإكراه الملجيء، وهذا قول الأحناف والمالكية والحنابلة، وقال الشافعي إن الحبس والقيد إكراه على الردّة. وقول الأحناف في (بدائع الصنائع) 9/ 4493، وقول المالكية في (الشرح الصغير) 2/ 548 ــ 549، وقول الحنابلة في (المغني مع الشرح الكبير) 10/ 107 ــ 109، وقول الشافعية في (المجموع) 18/ 6 ــ 7.
وكلهم أجمعوا على أن من أكرِهَ على الكفر فاختار القتل أنه أعظم أجراً عند الله ممن اختار الرخصة، نقله ابن حجر عن ابن بطال وهذا لفظه في [فتح الباري - 12/ 317]، ونقل الإجماع أيضا القرطبي في تفسيره.