تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

Baffi

الكيماوي، وهذا كان قد أتى من روما؛ ليعرض عليه إنشاء مصنع لعمل ملح البارود بدون قزان ولا نار ينتج سنويا 3000 قنطار من هذه المادة في نظير منحة قدرها خمسمائة ألف فرنك (1928750 قرشا)، مع طلب مهندس معماري ليدير حركة بناء هذه المؤسسة الجديدة وغيرها مثل مصنع البارود ومصنع الصابون ... إلخ، فقبل محمد علي هذا الطلب، ولمباشرة الشروع في هذا العمل أرسل محمد علي عاملا فرنسيا إلى فرنسا لمسيو جومار

Jomard

في باريس؛ ليرجوه اختيار مهندس معماري فرنسي ذي كفاءة للقيام بتأدية هذه المأمورية.

وتذكر مسيو جومار وقت إقامته في باريس مسيو كوست فعرض عليه أن يسافر لتأدية هذه المأمورية فقبلها مع وافر الشكر.

وتعهد مسيو كوست في الشروط التي عملت أن يعترف بمسيو بافي

Baffi

مديرا عاما للأشتغال التي يراد عملها. وتحددت أتعابه بمبلغ (18000) قرش صاغ؛ أي: (7200) سبعة آلاف ومائتي فرنك، وأخذ على عاتقه استحضار معلم بناء؛ ليعلم العمال، ودفعت له نفقات السفر لغاية ما يصل لمسيو بافي، وعلاوة على ما ذكر صرف له مبلغ (2000) فرنك (7715 قرشا)؛ لشراء آلات وغيرها ووقع الطرفان على الشروط في سبتمبر سنة 1817م بمرسليا لمدة سنة واحدة.

مسيو كوست كبير مهندسي ترعة المحمودية

وكان كوست في ذلك الحين في السنة الثلاثين من عمره، وكان سفره من مرسليا في 6 أكتوبر سنة 1817م على القرويت (بلا نينا

Bella Nina ) من ممتلكات محمد علي، وكان يقودها ربان تركي. وكان تحت إمرته عدد كبير من الملاحين يتألف من خليط من الترك واليونان والمالطية والطليان، وربان السفينة الثاني هو الوحيد الذي كان يتكلم الفرنسية والذي معه كان يستطيع أن يتحدث.

والوصول كان في أول نوفمبر من السنة المذكورة، وبعد استيفاء الإجراءات الجمركية سكن في حي الإفرنج في منزل مسيو ناردي (Nardy)

تاجر ومراسل مسيو بافي (Baffi)

وظل عشرة أيام في الإسكندرية، الأمر الذي سوغ له التفرج على الخرائب التي في المدينة.

وسافر مسير كوست إلى رشيد في 10 نوفمبر بعد أن استأذن مسيو ناردي شاكرا ضيافته الودية، ووصل إلى رشيد في الغد 11 نوفمبر، ونزل عند مسيو تورنو (Tourneau)

من فرسان الخيالة القدماء ومن التجار ووكيل قنصلية فرنسا ومراسل مسيو بافي، وهذا أركبه متن ذهبية إلى الطرانة محل سكن هذا الأخير، وكانت الرحلة طويلة في هذا الفصل الذي فيه تكثر رياح الجنوب وتكون الأشرعة عديمة الجدوى ولا ينفع غير السحب باللبان ومجهود الملاحين، وعلى ذلك لم يصل إلى الطرانة إلا قبيل آخر الشهر.

واستقبله مسيو بافي أحسن استقبال هو وجميع أتباعه وهم كثيرون، وكان يدير في هذا الوقت مصنعا لملح البارود بقزانات بناه على أطلال طيرينيتس القديمة

Térénutis (كوم أبو يلو) الواقعة على مسافة 4 كيلو مترات جنوب غرب الطرانة الواقعة على طرف الصحراء، وكان مسيو بافي قد حاز ثقة محمد علي الذي سماه عمر بك ورئيس المماليك الفرنسيين، وهؤلاء هم جنود جيش بونابرت الفرنسيون القدماء الذين بقوا في مصر وخدموا محمد علي في ظروف مختلفة، ولم يبق منهم إلا زهاء مائة وجميعهم عاجزون، وقد أذن لهم أن يعملوا بصفة تراجمة للسياح الأجانب، وأسكنوا في الترسخانة وفي مختلف المصانع التي أقيمت حديثا ويديرها أوربيون، وكان مع مسيو بافي نحو العشرين منهم.

وبعد بضعة أيام استراح خلالها طلب منه مسيو كوست أن يقدم له بيانا عن مصنع ملح البارود بدون نار ليرسم مشروعا إجماليا بكافة الأبنية التي تلزم، وبما أن طريقة الصناعة هذه كانت سرا من الأسرار، تردد في إجابة طلبه، إذ كان يريد قبل أن يطلعه على ذلك أن يعرف سجيته ومبلغ أمانته، فأجل هذه الإجابة إلى ما بعد سفرهما إلى مصر واطلاع محمد علي على هذا الطلب.

وفي يناير سنة 1818م توجها إلى القاهرة، وسارع مسيو بافي إلى تقديمه بواسطة باغوص بك الأرمني الجنس والمترجم الأول لمحمد علي إلى سموه في سرايه القائمة في القلعة، فأكرم محمد علي وفادته، ودعاه للجلوس على الديوان حيث قدمت إليه القهوة والشبق، وقال مسيو كوست: إنه لدى الدخول في قاعة الجلسة كان محمد علي متربعا في ركن الديوان (المقعد) ويلوح أنه كان يتهجى حروفا بجانب أحد المشايخ، وعند خروجه من المقابلة لاحظ لباغوص بك أن سموه كان يتعلم القراءة فأجاب: «نعم» إن الباشا أدرك ضرورة التعلم، وكانت سنه وقتئذ أربعين سنة، وقد وخطه الشيب وتوصل بمحض قوة إرادته أن يقرأ ويتثبت من مصلحته.

تاريخ خليج الإسكندرية القديم وترعة المحمودية · الصفحة ١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ خليج الإسكندرية القديم وترعة المحموديةص ١٦