وقد يجوز أن يكون جزء الترعة الحالي المحصور بين قرية الكريون والبطاح الملحة التي سبق الكلام عنها بقية إحدى هذه الترع القديمة التي كانت قد أعدت لتنمية كمية المياه في ترعة كانوب، وهذا الجزء يدور حول موضع بحيرة مريوط القديمة؛ لأن قاعه مرتفع كثيرا عن منسوب السهل. وهكذا يكون على ما يلوح لنا قد عملت ترعة بجوار الماء الملح أعدت لتوصيل المياه اللازمة لحاجات المعيشة.
وكان - على ما ذكره إسترابون - يصب عدد كبير من الترع متفرع من أجزاء النهر العليا، وكانت إحدى هذه الترع تمر بهيرموبوليس بارفا، ولقد بينا فيما سلف أن هذه الترعة كان بها طابع القدم، وذلك بجوار هذه المدينة المسماة الآن دمنهور، وعلى هذا نحن لا نرتاب في انضمام عدة ترع لبعضها ليتكون من مجموعها الترع الموجودة في الوقت الحاضر.
وهذا أمر يمكن الاستعانة به؛ لتعليل كثرة التعاريج الغريبة التي بهذه الترعة وتعدد ارتفاع قاعها في مواضع وانخفاضه في أخرى وذلك في أرض يستطاع فيها جعل امتدادها مستقيما جدا وقاعها في غاية الاعتدال.
ويحدونا تاريخ ترعة الإسكندرية إلى بحث مسألة أخرى لا تخرج عن الموضوع الذي نعالجة الآن:
يؤخذ من قصة حرب يوليوس قيصر بالإسكندرية أن قسما من هذه المدينة كانت تخترقه ترعة، وكان ماء هذه الترعة يستعمل لقضاء حاجة قسم كبير من الشعب؛ لأن ماء الصهاريج كان لا يمكن أن يفي إلا بحاجة فريق الأغنياء وتابعيهم، وكان يظن بعض الناقدين أن هذه الترعة هي نفس الترعة التي تتقابل مع بحيرة مريوط في ميناء كيبوتوس (الغربية) (Kibotos) ، وذلك بدون التفات إلى أنه حتى لو فرض أن مياه هذه الترعة أمست صالحة للشرب؛ لوفرة عدد ترع النيل التي تصب فيها لصارت بحكم الضرورة ملحة في الترعة التي توصلها إلى البحر، وما دامت هذه الترعة صالحة للملاحة فلا بد أنها كانت واسعة.
ومن ناحية أخرى فالعبارة التي أوردها هرتيوس
Hirtius
من أهل القرن الأول قبل الميلاد، وهو الذي سمى الترعة التي كانت الأهالي تشرب منها بنهر النيل لا تنطبق بتاتا على رأي أولئك الذين ظنوها تستمد المياه من بحيرة مريوط، وهذا ما يجعلنا على الاعتقاد بأن المياه التي كان الأهالي يستعملونها تأتي من ترعة كانوب نفسها، وهي التي سبق الكلام عنها، وعلاوة على ما ذكر فإن هذا الرأي لا يتعارض مطلقا مع ما قصه هرتيوس بشأن الموضع الذي كان يوليوس قيصر محصورا به في الإسكندرية، فيوليوس قيصر هذا لم يكن كما هو معروف صاحب النفوذ في الحي الذي تخترقه الترعة المسماة نهر النيل، والترعة التي نتكلم عنها لم تكن في الواقع ونفس الأمر تمر في حي القصور الذي كان يمتلكه يوليوس قيصر، بل كانت تمر من المدينة بين سورها الجنوبي والشارع المستطيل، وتصب من فتحة ضيقة في الترعة التي تتلاقى مع بحيرة مريوط في مينا كيبوتوس.
ولقد شوهد في وصف ترعة الإسكندرية أنها لم يعد يكتنفها الآن في القسم الأكبر من مجراها إلا أطلال وصحاري، مع أنها كانت منذ 460 سنة لا أكثر تتزين وتتحلى بجميع ما في مصر من أنواع الزخارف والثراء، وإليك ما رواه عنها المؤرخ العربي أبو الفداء الذي كان على قيد الحياة في ذلك العهد:
والقمح يجلب لها من البلاد الأجنبية، والحقول التي تحيط بها مجدبة؛ لأن أرضها مشوبة بالملح.
2
أ.ه.
ويقول بالشرح المسطر على الهامش:
الإسكندرية واقعة على جزيرة رملية كونها البحر وترعة الإسكندرية، وهذه الجزيرة على امتداد يسير أقل من نهار مغروسة كروما ومزينة بالبساتين، ومع أن أرضها لم تكن مكونة إلا من رمال، فالعين لا تستنكف رؤيتها، والترعة الموصلة الماء للإسكندرية منظرها بديع، فالجنائن والرياض المزروعة على ضفتيها تجمل مجراها.
3
أ.ه.
ويلوح من أول وهلة أن عبارتي أبي الفداء السالفتين متعارضتان ولفهمهما يلزم ملاحظة أن أولاهما خاصة بجزء السهل الواقع على يسار الترعة، فهذا الجزء نظرا لانغماره بمياه بحيرة مريوط كانت أرضه حقيقة مشوبة بملح البحر، أما العبارة الثانية فينطبق نصها على جميع الفضاء المحصور بين ضفة الترعة اليمنى والبحر. فهذه الأرض لم تكن جميعها تقريبا مغمورة بالمياه في ذلك الوقت، كما هي الآن إذ إن بحيرة أبي قير التي لا ينبغي خلطها مع بحيرة إدكو (بحيرة المعدية القديمة) لم تكن ظهرت في عالم الوجود حتى ذلك الحين.