وعلى سبيل المثال: فإذا وقفت في الرواق الأوسط في اتجاه القبلة، فسترى المربع الجميل الذي يحمل القبة الكبرى مرفوعاً على أعمدة رخامية شاهقة الارتفاع، تعلوها عقود تقوم على أرجل يعدل ارتفاعها ارتفاع العمد، بينما الجدار الحامل للقبة فوق العقود مزين بنوافذ صغيرة... ويلاحظ الناظر كذلك أن المعماري قد ربط بين الأعمدة بأوتاد خشبية سميكة في
وسط الأعمدة، وذلك لشدة ارتفاعها، حتى تمنع تلك الأربطة انطلاق هذه العقود للخارج بفعل تأثير الثقل الموجود فوقها.
جمال وجلال:
والمسجد الأقصى الحالي في نظر المختصين عمل معماري يجمع بين البساطة والجلال، في صورة تندر في غيره من المساجد، فعلى الرغم من أن بناء جدرانه ليس من السماكة بمكان، وخاصة تلك الحاملة للقبة الكبرى، إلا أن جزءاً كبيراً من فخامة المسجد يرجع إلى سعة بيت الصلاة، بحيث تمتلىء النفس مهابة واجلالاً، وهذه السعة هي التي جعلت المعماري يسقفه بالخشب القوي فقط.
بينما يرجع الجزء الآخر من الجمال إلى طبيعة الزخرفة المنتشرة في المسجد بكثرة وشمول، فالفسيفساء ـ وهي في الأصل فن بيزنطي شهير ـ تنتشر على الحوائط والقبة من الداخل، بينما يغطي القاشاني المزخرف جدران المسجد إلى ارتفاع المحراب فيضيف ذلك جمالاً بديعاً، في الوقت الذي تحتل فيه التفريعات النباتية الخارجة من المزهريات ثم بعد خروجها تنثني وتلتوي حتى تأخذ أحياناً شكلاً حلزونياً جانباً هاماً من الزخرفة، هذا إلى جانب الزخرفة بأوراق الاكنتس.
أما الزخرفة الكتابية ـ وهي جزء مشترك بين زخرفة جميع المساجد ـ فإنها تغطي مساحات لا بأس بها من جدران المسجد الأقصى بخطوط من أجمل الخطوط العربية، سواء ما كان منها بالقلم الكوفي أو النسخي، حتى تكوّن تلك الخطوط أشرطة ناطقة بالجمال الحسي والمعنوي في آن واحد لما تتضمن من عميق المعاني وبديع الصورة.
أهوال ومخاطر محدقة: