لما جاء الطفيل بن عمرو الدوسي -رضي الله تعالى عنه- إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو في مكة فأسلم على يد محمد - صلى الله عليه وسلم -، ورجع إلى قومه مبلغًا فدعاهم فلم يستجب أحد، ثم جاء إليهم مهاجرًا إلى المدينة بعد أن هاجر النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة فقال: "يا رسول الله، ادعُ الله على دَوْس، عصوا الله عصوا رسولك، وما استجابوا لهذا الدين"، فتوجه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى القبلة ورفع يديه، فقال الناس: "هلكت دوس"، ثم توجه إلى القبلة فقال: (اللهم اهدِ دوسا وأتِ بهم مسلمين) (1).
يعني الآن الواحد ربما لو يسمع كلمة من أحدهم عليه يفتح فمه ويلعنه باللعنات الكثيرة ويدعو عليه بالدعوات الشديدة ويسب، النبي - صلى الله عليه وسلم - دعا لهم ولم يدعُ عليهم بل قال: (اللهم اهدِ دوسًا وأتِ بهم مسلمين)، فرجع الطفيل -رضي الله تعالى عنه- فجاء معه في العام القادم سبعون بيتًا من دوسٍ فيهم من راوية حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - أبو هريرة.
فانظروا إلى رحمته على أمته وإلى شفقته عليهم؛ يضحّي - صلى الله عليه وسلم - كبشًا عن نفسه وكبشًا عن أهله وكبشًا عمّن لم يستطع أن يضحي من أمته - صلى الله عليه وسلم -.
يخرج إلى أُحد يصلي عليهم في العام الذي توفي فيه ويدعو لهم ويقول: (وددت أني رأيت إخواننا)، قال الصحابة الذين معه: "أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ " قال: (أنتم أصحابي، وإخواني الَّذينَ لم يَأتوا بعدُ) (2)، انظر هذه المحبة أن يتمنى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يقابل أمته وأن يراهم.
وانظر إلى دعائه - صلى الله عليه وسلم - ربه أن يخفف عنهم الصلاة من خمسين إلى خمس صلوات، وبقي لهم الأجر كاملًا ما نقص منه شيء، كما قال الله -عز وجل- في الحديث القدسي: (هن خمس لا يبدل القول لدي؛ خمس في اليوم والليلة وخمسون في الأجر) (3)، ما الذي خفف هذا؟ هو طلب النبي - صلى الله عليه وسلم - من ربه.
كان - صلى الله عليه وسلم - يرسل السُّعاة من أجل أن يجمعوا الزكاة فقال لمعاذ بن جبل: (إياك وكرائم أموالهم) (4)، هذا القلب العجيب! يدعو لأمته - صلى الله عليه وسلم -، يحب أصحابه يقول لهم: (لا تخبروني بما يقع بينكم إني أريد أن أخرج إليكم وأنا سليم
(1) صحيح البخاري: (4392).
(2) صححهُ الألباني في صحيح النسائي: (150).
(3) اللفظ الأول جاء في الصحيحين؛ البخاري: (349) ومسلم: (163) وأما التكمله: "خمس في اليوم والليلة وخمسون في الأجر" فلم نجدها.
(4) صحيح البخاري: (1496).