ولكم هضمتم حقوق أمة حبا في أمتكم، ولقد والله ظلمتم للإحسان واغتصبتم للإرضاء، فرحمتم قوما وعذبتم آخرين، فما أكثر أوهام الإنسان!
وإن زعمتم أن من عاشوا معكم في الوطن هم الذين تعنونهم بخدمتكم وقصرتم عليهم رحمتكم، فإن لم تغتصبوا حقوق الأمم الضعيفة فقد أحسنتم، وإن ظلمتم الأمم وهضمتم الحقوق إرضاء لأبناء بلادكم فأنتم مجردون عن الفضيلة الإنسانية. ومثلكم كمثل السارق الذي يطعم من كسبه الفقراء، ومن يقتل امرأ ليجعله طعاما للآكلين، ومن لكم بأن تقصروا بلادكم على ساكنيها؟ فقد يتبدل السكان بالسكان، ويملأ المكان بقوم غرباء، إن الناس يخدمون أهواءهم ويتبعون جهالاتهم.
أطفال الإنسانية وما أدراك ما أطفال الإنسانية
أطفال الإنسانية هم الأمم التي ضل سعيها في الحكمة والفلسفة، نظروا نظام النبات والحيوان والإنسان واتصال هذه السلسلة البديعة فعجزوا عن فهمها وضلوا فيما يعملون.
يقول الأنبياء: عمموا الرحمة على الإنسان والحيوان؛ لأنها تحس وتفهم، ولا تكونوا جبارين فيقولون: إن ما كان أصلح للوجود هو الأولى بالبقاء، فخلطوا نظاما بنظام، ألا إنما الأضعف في حمى الأقوى، فلم ترحمون الأبناء؟
إن في النفس لرحمة وشفقة، في النفوس رحمة الأبناء ورحمة الناس ورحمة الحيوان، القلوب مهبط الرحمة، القلوب مشرق أنوارها، فمن ذا الذي أفتى الإنسان بالتفريق بين الرحمات.
صورة الوجود المنظومة المعلومة الشاملة للحيوان والإنسان دلت قوما على جمال نظامها وآخرين على وجوب الرحمة بأهلها، فترحم الإنسان والحيوان، وارتكس قوم في حمأة الرذيلة فقالوا: لا رحمة إلا للأبناء. ومنهم فريق يلوون ألسنتهم بالعلم فيقولون: نرحم فريقا ونعذب آخرين. وآخرون منهم أنعموا على الحيوان وعذبوا الإنسان، فخلطوا في فهمهم وضلوا في منطقهم. قتل الإنسان ما أكفره! الأمم اليوم أشبه بامرأة زانية ذبحت ولدها ووأدت فلذة كبدها إرضاء لشهوتها واتباعا لخطوات غيها.
هذا فعل الأمم الآن، يقدمون عقول الأمم وأموالها قربانا لمطامعهم، فما أشبههم بالعذراء الفاجرة الماكرة التي وأدت ولدها، وتراهم يقولون اعتذارا: لا قيمة للعواطف، كما تقول تلك الماكرة الغادرة.
الأمم على سطح الكرة الأرضية كالدود على ساق الشجرة، وأوراقها كالنبات، وأزهارها كالحيوان، وأثمارها كالإنسان، وكل أعلى مما قبله وأقل مما بعده. وترى الدودات يتساءلن ويقلن لفراشة طائفة حول الزهرات: ماذا تقولين عن حال هذه الشجرة؟ فتلقنها بما تفهمه فيصير قولا مقبولا.
الناس غارقون إما في غمرة الجهل أو في بحر حيرة العلم، كبرت على عقولهم نظامات العالم، فتلقفوا كلمات الخارصين تلقف الجهال كلمات الدجال الذي يدعي فتح الكنوز بالأحلام والأوهام.
أكثر الناس واهمون في قضايا الإنسانية، خاضعون لمن علت كلمته ولو كان مخدوعا.
هذا مجمل ما دار بخلدي، وكان الباعث القوي على تأليف الكتاب، حتى كان ما كان من ظهور مذنب هالي وما دار بيني وبين تلك الأرواح الطاهرة عليها التحية والسلام.