جهرت بهذا الرأي لتبرأ ذمتي أمام الله عز وجل. خفت أن يدفن معي، ويدخل مضجعي، وقد علمت أن التجار لا يزورون مكانا إلا أعلنوا فيه عن سلعتهم، ولا زقاقا إلا ألصقوا بجدرانه أخبارهم. فقلت: ما أحق الآراء النافعة بالنشر بين الناس، وما أولاها بالتعميم؛ لأن التجار إنما يعطون منافع الأجسام، وأما ذوو الآراء فيعطون الناس منافع العقول، وما به يرشدون ويصلحون، فأحببت من المصلحين المرشدين وقادة الأمم في الأرض أن يعنوا بتعميم الفضيلة والمحبة العامة بين الأفراد والشعوب شرقا وغربا كما تراه مفصلا في الكتاب.
ولقد أيقنت أن ما دونته في كتابي سيكون عقيدة عامة بعد حين وسيتلقاه عقلاء العالم بالقبول، ويخيل لي أن العالم الإنساني سيكون أنعم بالا وأحسن حالا وأرفع شأنا، وأعز مكانا، وأشرف نفسا، ولتعلمن نبأه بعد حين.
اعلم أن مثل الرحمة الإنسانية العامة كمثل الماء الذي سلك ينابيع في الأرض فخالط أجزاءها، وداخل أحشاءها، وتخلل باطنها، وجرى في مجاريها، وسرى في كرتها، وخزن في جبالها، فتارة تفجر أحجاره أنهارا، وآونة تشقق فتخرج ماء، وطورا يحفر الناس الأرض فيستنبطون ماءها ويستخرجون معينها. فهذا مثل الرحمة الإنسانية الكامنة في القلوب البشرية وما غشاها إلا المطامع والشهوات، وطين الرذائل وحمآت الجهالات السائرة.
ومثل آخر أن ما كمن من الرحمة في الإنسان أشبه بالكهرباء والنار، وما العلم الذي ظهر والمحبة التي جمعت الناس إلا كأضواء المصابيح المتقدة بالنار والكهرباء.
هذه صفحة قرأتها من الرحمة العامة في هذا الإنسان وكيف غشي وجهها بعذاب واقع، ضربت لك الأمثال بحال هذا الإنسان وآرائه، وضرب الأمثال مشعر بالإجمال.
فهل لك أن تطلع على صحيفة من علمه، ورسالة من عنده، ونور أشرق على عقله، وآيات نزلت على قلبه، ورحمة أحاطت به، وإلهام تنزل عليه، فاسمعوا وعوا.
منظر علماء الطبيعة
رسم علماء الطبيعة صورة من هذا الإنسان، ووصلوه بالحيوان والنبات، وكونوا منهما سلسلة ذهبية منظمة، ظهر جمالها في مقالات العلماء الإسلاميين كما في الفوز الأصغر لابن مسكويه وإخوان الصفا إذ أبانوا كيف ترقى النبات من أدنى أنواعه، وتعالى في تدرجه، وارتقى إلى درجة عظيمة، تلاصق أرقى الحيوان، وأخذ هذا يتدرج حتى انتهى إلى الإنسان، وهو عالم واسع عظيم، وهاك نص ما قيل في إخوان الصفا: واعلم يا أخي بأن أول مرتبة الحيوان متصلة بآخر مرتبة النبات، وآخر مرتبة الحيوان متصلة بأول مرتبة الإنسان، كما أن أول مرتبة النبات متصل بآخر مرتبة المعدن، وأول مرتبة المعدن متصل بالتراب والماء كما بينا قبل، فأدون الحيوان وأنقصه هو الذي ليس له إلا حاسة واحدة فقط وهو الحلزون، وهي دودة في جوف أنبوبة، تنبت تلك الأنبوبة على الصخر الذي في سواحل البحار وشطوط الأنهار، وتلك الدودة تخرج نصف شخصها، من جوف تلك الأنبوبة، وتنبسط يمنة ويسرة، تطلب مادة يغتذي بها جسمها، فإذا أحست برطوبة ولين انبسطت إليه، وإذا أحست بخشونة أو صلابة انقبضت وغاصت في جوف تلك الأنبوبة، حذرا من مؤذ لجسمها، ومفسد لهيكلها. وليس لها سمع ولا بصر ولا شم ولا ذوق، إلا الحس واللمس فقط، وهكذا أكثر الديدان التي تتكون في الطين وفي قعر البحار وأعماق الأنهار، ليس لها سمع ولا بصر ولا ذوق ولا شم؛ لأن الحكمة الإلهية من مقتضاها أن لا تعطي الحيوان عضوا لا يحتاج إليه في جلب المنفعة ودفع المضرة؛ لأنه لو أعطاه ما لا يحتاج إليه لكان وبالا عليها في حفظها وبقائها. فهذا النوع حيواني نباتي؛ لأنه ينبت جسمه كما ينبت بعض النبات، ويقوم على ساقه قائما، وهو من أجل أنه يتحرك جسمه حركة اختيارية حيوان، ومن أجل أنه ليست له إلا حاسة واحدة فهو أنقص الحيوان رتبة في الحيوانية، وتلك الحاسة أيضا قد يشارك بها النبات، وذلك أن النبات له حس اللمس فقط، والدليل على ذلك إرساله بعروقه نحو المواضع الندية وامتناعه من إرساله نحو الصخور واليابس أيضا، فإنه متى اتفق منبته في مضيق مال وعدل عنه طالبا للفسحة والسعة، فإن كان فوقه سقف يمنعه عن الذهاب علوا وكان له ثقب من ناحية مال إلى نحو تلك الناحية، حتى إذا طال طلع من هناك فهذه الأفعال تدل على أن له حسا وتمييزا بقدر الحاجة. وأما حس الألم فليس للنبات؛ وذلك أنه لم يلق بالحكمة الإلهية أن تجعل للنبات ألما ولم تجعل له حيلة الدفع كما جعلت للحيوان؛ وذلك أن الحيوان لما جعلت له أن يحس بالألم جعلت له أيضا حيلة، إما بالفرار والذهاب والهرب، وإما بالتحذر، وإما بالممانعة، فقد بان بما وصفنا كيفية مرتبة الحيوان مما يلي النبات، فنريد أن نبين كيفية مرتبة الحيوان مما يلي رتبة الإنسان فنقول: