لعلك أيها الذكي المطلع على كتابي هذا، يشوقك أن تقف على أسباب تأليفه، فأحدثك عنها لتعجب من هذا الوجود، ولترى أن للإنسان في ظلمات الحياة الدنيا مناهج وسبلا تستبين ببصيص شعاع يأتلق من أنجم الهدى، الطالعات في ثنايا الظلمات.
كنت أجد في نفسي دائما معاني متشابهة، وآراء متقاربة، تدور في دائرة، وتسير في اتجاه مرسوم، لا تحول ولا تزول، مهما عاقت العوائق، وحالت الحوائل، وهي هذه الآيات من الكتاب العزيز:
وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم ،
وكل شيء عنده بمقدار ،
لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ،
ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون .
وطالما اختلج بقلبي، وسبق لذهني، فحكم عقلي، أن مسألة الذكور والإناث، وتقارب تساويهما في الوجود، وتنظيم أعدادهما على سطح الكرة الأرضية، أجل دليل، وأقوى حجة، وأسطع برهان، وأحكم قول، على أن هناك غرائز لو كشف الناس عنها الحجاب، وأبرزوها للعيان، لصلح حال البشر، كما تراه في الكتاب. •••
بدأت أولا في تحقيق الميزان والقسط والنظام والعدل في العالم المشاهد، وعولت في الأكثر على المحسوسات، ولم أشأ أن أقرأ الحكمة إلا بالقياس على المشاهدات، ولا أدرسها إلا مع النظر في المخلوقات.
النظام في كمية المادة وتركيبها وحركتها
رأيت أن الهواء أكثر من الماء، والماء أعم من الغذاء، والغذاء أكثر من الدواء، فعجبت لهذا العالم، كلما اشتدت الحاجة لشيء كثر وجوده، وتقل الأشياء، كلما قل طلابها، أو لم تجب أسبابها، وأكثر الناس عن ذلك غافلون.
ثم نظرت فيها من حيث تركيبها، ونسب أجزائها، فألفيت عجبا عجابا، ألفيت الأجزاء موضوعة بحساب، مرتبة بدقة ونظام، في كل تركيب كيماوي، أفلا تتعجب معي من وزن ذرات الأكسوجين والأودروجين في الماء، وإن الأول أثقل من الثاني أضعافا، والثاني أكبر منه حجما، على نسب لو اختلت وزنا أو حجما، لفسد الماء، وانفصل الزائد، وطار مع الهواء.
ألا تتعجب من الماء كيف يكون مركبا من مادتين خفيفتين لا تراهما العيون، إحداهما حارة محيية، والأخرى باردة مميتة؟
ألا تتعجب معي من هذا الوجود المنظم، وكيف كانت سائر النباتات مركبة من عناصر بنسب محفوظة ثابتة كما أوضحته عن علماء الزراعة في كتاب نظام العالم والأمم؟
أوليس مما يسحر العقول، ويخلب الألباب، أنك ترى مثل القمح والقطن مركبين من عناصر فوق العشرة، متحدة في الأكثر، مختلفة نسبها، بحيث إن ما نلبسه هو عين ما نأكله من حيث العناصر؟ واختلاف المقادير في التركيب، أوجب اختلاف الملبس والمأكل والرقاقة والحزام.
اقرأ الكيمياء ثم فكر وتعجب من هذا الوجود العجيب، المنظم البديع، وإياك أن تقرأ بلا إمعان وتفكير فإن ذلك شأن الغافلين.
العالم العلوي
فلما أن تبين لي نظام هذا الوجود كما وكيفا، رجعت بصري، وحولت اتجاه فكري إلى حركات الأجسام العلوية، فرأيت عجبا عجابا، رأيت الكواكب لا تخطئ في سيرها، ولا تغلط في جريها، كما أوضحه الفلكيون، ونظمته في رسائلي المسطورة المنشورة.
تبين لي الحق، وأيقنت بقلبي معنى قوله تعالى:
وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم
وقوله:
وكل شيء عنده بمقدار .
النبات والحيوان والإنسان
عند ذلك طفقت أفكر في نظام هذا الإنسان على سطح الكرة الأرضية، وما امتاز به عن الحيوان، وهل هو سائر على سنن العدل؟ أم زائغ عن الجادة؟ حائد عن الصراط المستقيم؟
الإنسان ابن هذا الوجود، وهو مركب منه، تظله السماء، وتقله الغبراء. الوجود في نظام عجيب، والإنسان في شقاق بعيد.
رأيت أن لا بد من النظر في أمر المواليد الثلاثة، النبات والحيوان والإنسان، فرأيت الإنسان يشارك النبات في الغذاء والتناسل، ويشارك الحيوان في ذلك، وفي الحركات الاختيارية، والحواس والإدراك والغرائز.