فأما العلوم التي لا تكلفهم هدى النفس، وإنما تتعلق بما لا يملأ البطن ويسد العوز كالكواكب والأفلاك فإن الأمم تتلقاها وتستقبلها قبولا حسنا، وتفرح بها، كمثل مسألة أبعاد الكواكب ونظامها عند العرب، فقد طبقها أولئك العلماء على فن الموسيقى، وقدروا أبعاد الأرض والهواء والقمر وعطارد والزهرة والشمس والمريخ والمشتري وزحل، وكما فعل العالم «بود» إذ اكتشف قانونا سموه قانون «بود» في سنة 1801 وأتمه «بيزي» إذ أبان أن بعد كل سيار مضاعف لما قبله كالأرض والزهرة والمريخ إلخ، كما هو واضح في كتاب اللورد فبري الإنجليزي في جمال الطبيعة، تقبل العلماء ذلك قبولا حسنا، وفرحوا واستبشروا بما شرح العلماء من العرب والإفرنج.
أما اكتشاف حل للتربية والعدل في الأمم فأنتم عنه محجوبون، وما صدكم إلا الشهوات الحاجبة عن السعادة، فها أنا الآن أضع لكم نظام الحكومات مقتبسا من نظام السماوات لتبلغه لإخوانك أبناء الإنسان.
انظروا إلى العالم الذي حولكم من الكواكب والحيوان وجسم الإنسان، ثم اجعلوا مدنيتكم وتعليمكم على ما تستخرجون وما تستنتجون، وادرسوا فطرتكم الروحية تجدوها مطابقة لها وموافقة لنظامها. قلت: أوضح لي هذا المقام. قال: انظر. فنظرت، إذا نجمة «أركتروس» وهي أكبر من الشمس عشرين مرة، ولا يصل نورها الأرض إلا في مائتي سنة، والضوء يجري في الدقيقة نحو عشرة ملايين من الأميال تقريبا. قلت قد رأيتها. فقال: هذه النجمة أكبر من شمسكم عشرين مرة، وشمسكم أكبر من أرضكم مليونا وثلث مليون، فتكون أكبر من أرضكم سبعا وعشرين مليون مرة. قلت: نعم. قال: انظر كيف ساع النظام السماوي أرضكم مع هذا الكوكب؛ أرضكم صغيرة، بل ذرة، ما أنتم شيء مذكور على ظهرها، ومع ذلك ساد النظام، والتأمت المدارات، وقام كل كوكب فدار في فلكه لا يتعداه، فشمسكم الصغيرة وأنجمها وسياراتها وتوابعها كل له مقام معلوم، لا ظلم اليوم، إن الحساب لسريع، إن النظام لدقيق، ولو أن الأعظم يطغى على الأصغر لهلكت أرضكم، ولقامت قيامتكم ولكن النظام جميل.
قلت: أوضح المقام؛ فإن البون ما بين السياسة والكواكب شاسع والشقة بعيدة. فقال: إن لكل كوكب مدارا ونظاما، فلا يطغى أحدهما على الآخر، ولا يحطمه، وسيرها بنظام وميقات معلوم.
ذلك نظام الله الذي أتقن تلك المدارات وحسبها، فلم يطغ كوكب على كوكب، ولم يحطم الكبير الصغير، ولو أن الأمر كان فوضى لاجتذب الأكبر الأصغر ولأصبحت أرضكم قارة من قارات نجمة «أركتروس» ولكانت أرضكم حجرا من حجارتها وأنتم جميعا لون ذلك الحجر.
إن العناية العالية أرسلت المحبة على الكواكب فجرت ودارت دوران العشق والغرام، والحب ألقى عليها دروس الوله والهيام، فدار بعضها على بعض ولم يبغ أكبرها على أصغرها.
ولو أنكم عرفتم ما في نفوسكم من المحبة والعطف والعشق والشوق وحب بني آدم إخوانكم لألفيتم أن نظام أرواحكم مستمد من ذلك الحب العالي الذي تسمونه جاذبية، فالإنسان محب للإنسان، يحب الإنسان العالم والجميل والشجاع والشريف والكريم، من أي ملة ونحلة وأمة، فذلك عشق كعشق الكواكب، فمن هنا عرفتم أرواحكم وعواطفكم، فسنوا سنن النظام الاجتماعي على مقتضى تلك الكواكب، ولتكن كل أمة منكم كوكبا يحب الأعلى الأدنى، ويتحابون ويتوادون ولا يطغى بعضها على بعض، ولتكن الأمة الكبرى لأخواتها الصغيرات كالشمس للسيارات حولها؛ تلقي عليها أشعة علمها لا تبتغي منها جزاء ولا شكورا، وكما أن الشمس ترسل أشعتها على السيارات وما للسيارات عليها من فضل، هكذا فلتفعل الأمم الكبيرة تجاه الأمم الصغيرة، وكفاها شرفا أنها بناتها تدور حولها، وعار على الأمم الكبرى أن تظلم الصغرى، وعار على الأمم المتعلمة أن تذل الجاهلة.
ولقد علمت مما ورد لي أن الأمم الكبيرة تنزع السلاح من الصغيرة، وتحجب عنها أشعة العلم، وتبقيها فقيرة لتجعلها خدما لها، وأن عندكم أمة لا تبلغ إلا نحو أربعة ملايين أعطيت أمة تبلغ 24 مليونا، ومنعتها العلم والحكمة، وألقت بينها العداوة والبغضاء، وهذا عار وتأخر؛ لأن أولئك الملايين إن استناروا أفادوا المجموع الإنساني أضعافا مضاعفة، فإذا اختصت أمة بقهرهم كالدواب فقد حجبت نورهم عن سائر الأمم، وهو نقص في إنسانيتكم، وشقاء لجامعتكم، أتدري لو أن كوكبا تخطى دائرته ماذا يكون، تتماوج الكواكب، ويضل التوازن، ثم تتحطم، ويكون فساد النظام، كما فسد نظامكم الإنساني بجشع الأمم، وحرصها على المادة الغذائية، ولتعلم أنهم ما داموا لا يراعون إلا المادة، ولا يطيعون وجدانهم وفطرتهم السامية الحقيقة، ويقولون: لا يراعى إلا ما سد الجوع وكسا الجلد فإن نظامكم يبقى فاسدا، حتى تهلكوا، أو تبيدوا، ويؤتى بخلق جديد؛ لأنكم لا وزن لكم ولا قيمة، ولا شرف عند العالم السماوي فإنكم جاهلون ظالمون.