تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هكذا تكون العقول البشرية، إنها نظمت تنظيما جميلا بحيث نرى أن الأذكياء في سائر الأمم يقلون كما قل الذهب دون سائر المعادن، ونرى الصالحين للإدارة العامة يكثرون كالحديد، وأكثر الناس قادرون على الأعمال الجسمية والصناعات اليدوية كالخشب في حجرات القطار وفي شبابيك النوافذ وأبواب الدار.

وزع الذهب وسائر المعادن على الجبال الأرضية، ولم تخص أرض دون أرض، وهكذا سائر المعادن غالبا، فهكذا العقول البشرية لم تخص أمة دون أمة ولا طائفة دون طائفة.

إن العقول موزعة على النوع الإنساني بمقدار توزيع المعادن والأشجار على الأقطار، فلا حق لأمة أن تدعي أن جنسها أرقى الأجناس، ولا إن قومها أرقى العالمين؛ فذلك جهل فاضح وخور وجنون، كذب العالمون، ما أجهل الإنسان! يا ويحه، ما أجهله بالنظام! ما أضله عن السبيل! جهل فغوى، وكذب وطغى، فعذبه الله العذاب الأوفر، وأنزل عليه صواعق غضبه وسلط عليه نار الغضب، فأحرقت أفئدة الظالمين وسامتهم سوء العذاب بالعداوات والحرب والنضال، لبئس ما يصنعون.

وهنا نتائج أربع:

الأولى:

أن الأشياء وضعت في الدنيا حسب الحاجة إليها كثرة وقلة، كالخشب والحديد والذهب، فكلما اشتدت الحاجة إلى شيء كثر وجوده وكلما قلت قل وجوده.

الثانية:

أنه كلما اشتدت الحاجة للشيء سهل تحصيله كالخشب، وكلما قلت الحاجة له صعب تحصيله كالذهب.

الثالثة:

كلما كثر الشيء رخص، وكلما قل غلا في أكثر الأحوال.

الرابعة:

متى وضع شيء في غير موضعه اختل النظام.

هذه القواعد الأربع سارية في الماديات والمضويات، العقول الإنسانية جارية على هذه القاعدة، فهل يحق لأمة من أمم الأرض أن تدعي أنها مختصة بالعقول الذهبية، فتنطلق أمة أخرى، وتقول: ضعوا خشبي موضع حديدكم وحديدي مكان ذهبكم، واجعلوا حديدكم خشبا وذهبكم حديدا، وكونوا إلي سامعين مطيعين.

أولا تكون هذه الأمة كالرجل الأحمق الذي يصنع حجرات القطار من الحديد، ويدعمها بالخشب، ويأمر الناس بالتعامل بالحديد بدل الذهب والفضة، ألا ساء مثلا الطاغون الجاهلون، أولا يعلم الإنسان أنه إذا عطل بعض العقول الإنسانية، كان كمن حرم الناس من استخراج الذهب من معادنه الجبلية، فيقل الذهب في العالمين، ويكثر الشجار بين المتغاضين. حرص الناس على المعادن وفرطوا في العقول، جهلوا والله، إن الإنسان لظلوم كفار، تواطأ الناس على استخراج المعادن، وتحملوا المشاق ولما يألوا جهدا في تحصيلها، فهل دأبوا في استخراج العقول الإنسانية، كما دأبوا في تحصيل القطع المعدنية، أولا يعلمون أن الغنم بالغرم، وأن أشق الأشياء تحصيلا أنفعها. وهلا علموا أن العقول البشرية أعظم لهم نفعا، وأبقى سعادة، عرف الناس كل شيء إلا عقولهم، وفهموا كل شيء إلا نفوسهم، ألا إن الإنسان لجهول كفور، سيسوس الناس في مستقبل الزمان أممهم بما ساس الله به خلقه، فالله وضع الميزان وأحكم النظام، وقام بالعدل، وجعل هذه الخليقة المنظمة كتابا للسياسة يقرؤه الناس إن كانوا يعقلون، هذا ميزان الخليقة فزنوا به أعمالكم ولا تكونوا ظالمين.

المذكرة السابعة عشرة: جاموسة الناعورة

جلست مع أصدقاء في وسط روضة صغيرة وفيها ناعورة تديرها جاموسة، عيناها في غطاء لا تبصران، ولكن أذناها تسمعان، وما أدراك ما تسمعان، تسمعان صوت الهراوة ترن ضربا على جسمها، تسمعان صليل الجرس ليوهمها أن ضربة ستؤلمها، وبينما هي كذلك إذا غطاء عينيها انكشف قليلا، فأبصرت، فلما أبصرت وقفت، فأخذ السائق يضربها وظلت الجاموسة في موقفها، كبرت نفسا أن تسير، وظلت العصي على جنبها تسيل. فقال صاحب الجاموسة: ما العمل فيما ألم؟ فقلت: يا هذا، لا يصبر على الذل إلا الجاهلون، ولا يرضى بالهوان المبصرون.

الجاموسة كالأمم المغلوبة، وغطاء عينيها أشبه شيء بغطاء ظلام الجهل المسدول على عقول الأمم الضعيفة، والسائق كالأمم الغالبة، فغش عينيها بالغطاء، فإنها تسير بلا تناء، ففعل السائق فدارت.

أين الإنسان · الصفحة ٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أين الإنسانص ٣٦