تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لم ذلك، ليضبطوا مواعيد الأعمال الإنسانية وسير القطار، وسفن البحار، وأعمال البخار، بحيث لا يخطئون في دقيقة ولا ثانية، وأمامهم في ذلك سير الكواكب المنظم.

أليس عجيبا ذلك، أليس من المدهش أن سير الكواكب لا خلل فيه مقدار ثانية، ولا أقل منها، ثم جعلنا نظام أعمالنا مرتبا عليها بحيث لو اختلت أوقاتنا كان الخلل في أعمالنا، أفلا ينظم أهل السياسة أعمالهم على وفاق نظام العالم، نظام النواميس الطبيعية، نظام العقول الإنسانية، ألا إن أرقى الناموس في الإنسانية أن يستخرج القوى الكامنة في عقول جميع نوع الإنسان، وكما أن نظام المسير في الأرض تابع لنظام الكواكب المرصودة فهكذا فليكن نظام العدل مقيسا بنظام صفوة العقول، فلا ظلم ولا جشع.

ولقد قلت ذلك لأحد أصحابي فقال لي: عجبت لك، وفي أي زمن ارتقى سائر العالم؟! وهل في الناس استعداد لإصلاح شئونهم بحيث لا يظلمون ولا يظلمون؟! فقلت: إن عقل الإنسان ليسع النقص والكمال كما تسعهما المادة، إن كثيرا من قواه العقلية والجسمية تذهب سدى، وهكذا سائر النباتات والحيوان قد تخلق وتذهب بلا فائدة ظاهرة.

إن الإنسان غافل عن أكثر المنافع في نفسه والآفاق، وها هو يستخرج منافع العالم، دائما بالاكتشافات، وقد آن الأوان أن يستخرج مواهبه العقلية فيعيش بسلام.

المذكرة السادسة: الشرق والغرب

الإنسان مسكين كئيب، لا يرى إلا ما أمامه ولا يعرف العواقب، وها هم أهل الشرق الأقصى ظهروا وبهروا، وها هم أهل الغرب راقون، ولكن بعضهم يسيء الأمم القاطنة بينهما، ويزرعون في عقولهم مزارع العداوة والبغضاء، ويا ويحهم، لقد جهلوا أن سنة الترقي ستشملهم، ولن يصدها صاد.

أولا يعلمون أن أبناءهم سيرثون الغل والحقد على أبنائهم الظالمين، ويكونون عونا على من آذى آباءهم، ألا إنهم هم الحصن المنيع بين الشرق والغرب، فليس يسكنه إلا من شاد بناءه، وعلم أبناءه، وباعد ظلمه، وحبب إليه القلوب، فسيتلاقى الغربي مع الشرقي. والقول الفصل سيكون للأمم الآسيوية في الشرق الأدنى، فإنها ستكون مع المحسنين وستسيء للمسيئين، وأغلب السواس لا يعلم إلا ظاهرا من العلم وهم عن الحقائق معرضون.

المذكرة السابعة: الأخلاق في الأمم

لا يجدي نظام كليات العالم ولا مدارسه ما دام السواس يقولون ما لا يفعلون، ويطلعون على ذلك شبانهم، ويقال لهم على سبيل الفخر والإعجاب: هذه سياسة، فتنقلب الحسنات سيئات، ويحور الأخيار أشرارا، والفضلاء منافقين مخادعين، فإذا أجرم الغاصب والمزور قالا في أنفسهما: إنما نحن سواس كأشرافنا، فإذا سرقنا متاعا فقد سرق أشرافنا، وإذا كذبنا فقد كذب أشرافنا، ونافق وخادع ساداتنا.

فالمدارس والكليات تبني والسواس والقواد يهدمون البنيان، فيرفعون الرذيلة، ويشيدونها على أنقاض الفضيلة في أرض العصيان.

المذكرة الثامنة: لا يبقى إلا الأصلح للوجود

هذه القاعدة صادقة، وقد غلط أكثر علماء الأمم في تطبيقها على الحياة العامة، وخلطوا نظام العالم البشري بنظام الرقي.

إن هناك دائرتين؛ دائرة نظام الغذاء، ودائرة الارتقاء، فأما الأولى فإنك ترى الدود طعمة العصفور، والعصفور غذاء الباشق، والباشق طعام العقاب، والعقاب طعام الدود، وسائر هذه العوالم فريسة أصغر الحيوان، وهو الميكروب. فهذا نظام حق، له ناموس خاص، فأما الدائرة الثانية، فإن في هذه العوالم قوة شهوية، عاشت بها الأرانب والغزلان والطيور وسائر الحيوان والنبات، وفوقها قوة غضبية ظهرت بأجلى المظاهر في الآساد، وقوة عاقلة كان أتم ظهورها في الإنسان، وكل واحدة أرقى مما قبلها وأقل مما بعدها، فنحو الآساد تنال غذاءها من الغزلان، والإنسان ملك الأسد والغزال بقوته العقلية، وحيلته الفكرية، ونفسه العلية.

فالعقل أرقى، وهو أصلح للوجود، وهو لا يزال ناقصا، فإذا أكمل التعليم والتهذيب زالت عنه المفاسد والغل والحقد والحسد، وأصبحوا سعداء أجمعين، فإذا بقي الإنسان على حياته السبعية، وقلد الآساد في افتراسها، والثعالب في مكرها، وعلم القوي الضعيف علوم الجبن، ودروس الذلة فأمات غرائزهم، وأضعف قواهم، وهو في الوقت نفسه يعلم أبناء أمته الاتكال على ما كسبته الأمم الأخرى، بحيث يجعلون كل ما أوتوا من ذكاء، وما أعطوا من علم موجها إلى الأمم الضعيفة، ليحصدوا ما زرعوا، ويأكلوا ما جمعوا، ويفسدوا ما أصلحوا، ويجنوا ما غرسوا، إنهم بذلك تتأصل فيهم ملكة الظلم، وتستولي على عقولهم آفات الكسل، ويكون لهم ظاهر وباطن، فظاهرهم الصدق والإخلاص والفضيلة، وباطنهم النفاق والخداع وعدم المروءة.

أين الإنسان · الصفحة ٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أين الإنسانص ٣٢