الحكمة الثالثة
جاءني خطاب من صديق لي في اليابان، فأجبته بخطاب وأودعته صندوق البريد، ثم هجس بخاطري، وخطر بروعي أن سائر الأمم والممالك تخدم خطابي وتوصله إلى اليابان.
إن الدول الأوروبية والممالك الشرقية وسفنها التجارية حافظة لخطابك، لولا السفن البريدية والطرق البحرية والعلوم الفلكية والسوق التجارية والمعاهدات الدولية ما وصل كتابي لليابان، أنا أضع الكتاب بفلوس قليلة، وأمم الشرق والغرب تحمله، الإنسان كنفس واحدة، اختلفت صورها، إن هذه الفكرة تدعو لتحاب الأمم واتحادها، ما السبيل وما العمل!
الحكمة الرابعة
دخلت زقاقا من أزقة القاهرة خاليا من المشاة والركبان فأحسست بوحشة وقلت: سرور الإنسان بالإنسان، فالحرب جهل، إنها تضاد المحبة العامة، ألا ساء مثلا المحاربون.
الحكمة الخامسة: ركوب الحمار
سريت ليلا إلى إحدى القرى، وأنا راكب حمارا، ومعي خادم، وقد أنزل القمر من لدنه فضة ذائبة ملأ بها الجو، وغشي بها وجه الأرض، وزين بها وجوه الأشجار والبحار والأنهار والمزارع والسبل، أخذ الحمار يعدو فوق جسر ممدود بجانب نهر جار، حتى إذا ركبت وتوسطت الطريق نزلت للسلام على صاحب سلم علي، فما أن أردت الركوب كرة أخرى تعسر علي ولم يكن لبرذعة الحمار من ركاب، وآنست هنالك منحدرا سهلا تنزل من الطريق إلى الأرض التي بجانبه، فأخذ الخادم بخطامه، وأنزله إلى المنحدر، وبقيت في أعلى الجسر، وركبت، فلما استويت على ظهره اعترتني دهشة، وقامت بنفسي فكرة، إني أيقنت أن في هذه سرا مكتوما مخزونا، إن ركوب الحمار على هذا المنوال يعرفه العامة والأطفال ليس أمرا ذا بال، ولكني أيقنت أن فيه سرا عجيبا وحكما وغرائب.
إن في ذلك لمثلين؛ مثلا أدنى، ومثلا أعلى.
أما الأدنى فأنك ترى الأمم العاقلة الرشيدة تنتهز فرصة نوم الأمم الجاهلة الضعيفة، فترسل لها شرذمة من قومها يسومونهم سوء العذاب، فيذللونهم ويحكمونهم ويتخذونهم خدما وحشما خاضعين، فالحمار مثل الأمم الجاهلة، والخادم مثل رجال حكومات الأمم القوية، وأنا مثال نفس تلك الأمم، ونزول الحمار للمنحدر مثل لخضوع الأمم الجاهلة.
أما المثل الأعلى فإن الإنسان له شهوة كالبهائم، وغضب كالسباع، وعقل كالملائكة، فالشهوة البهيمية ألجأته إلى الأكل واللباس، والشهوة الغضبية تظهر بالقتال والسلاح والقهر كما تفعل السباع والوحوش، والعقل به عقل النظام والحكمة والفضيلة، فإذا عقل الإنسان جعل الشهوة والغضب مثل الحمار، والعلماء والحكماء يقودون تينك الشهوتين، وإذن يركب العقل كما ركبت، ويجري في الطريق السوي كما جريت بحماري على الجسر قريبا من بوبسطيس «تل بسطه»، وإذن يضيء سنا قمر العدل على وجه البسيطة كما أضاء القمر السماوي تلك الليلة وأنا في فرح وسرور.
كم في العالم من علم ظاهر والناس عنه غافلون، هذه مسألة بسيطة سهلة، إنها مثال لما في العالم من الحكم، إن عقولنا فيها خزائن مفتحة الأبواب، وفي العالم من الجمال والبهاء ما لا يستطاع وصفه، إنه لحاضر وما منعنا أن نفقهه إلا الشهوات. السلام سهل وليس يعوزه إلا إرادة الإنسان، وما أقربه من الإنسان إذا أراد أن يعقله، ولو عقل لعمل، والسلام.
الحكمة السادسة: طير الكناري «عصفور»
جلست في بهو فسيح مزدان بجمال الأشجار ونضرة الأزهار، فسمعت تغريدا عجيبا وصوتا بديعا ما سمعت مثله ذا نغمات مطربة فرفعت طرفي إذا طيران أصفران صغيران يتغنيان، فسألت: ما هذا؟ فقالوا: كناري، فعلمت أنه ليس الخبر كالعيان، وما راء كمن سمع، وإن للسمع والبصر في النفس أثرا ليس للخبر، ولقد قرأت عن هذا الطير في كتب الإفرنج، فما أثر في نفسي تأثير سماعه، ولقد أدهشني أنه صغير الحجم عجيب الصوت، وقلت: يا ليت شعري لو أنا أخذنا حجرا مساويا لهذا الطير في الحجم، وقارناهما لوجدنا بونا بعيدا، وفرقا شاسعا.