لم لم يوجهوا عزائمهم لإقامة أمرين اثنين وإصلاح فاسدين: الأرض الزراعية، والعقول الإنسانية، كم في الأرض من قطع متجاورات، تصلح للإنبات، وهم يتحاربون، وأذكياؤهم عنها غافلون. ألم تر أن أكثر السودان لا زرع فيه وهو صالح للزراعة، والعراق والأناضول، وكثير من أرض الإسبان، وأراض كثيرة من البلاد الإنجليزية. أولا يعلم حكماؤكم أن كل قطعة من الأرض في أمة بارت ولم تزرع خسارة كبرى على سائر نوع الإنسان. أنا لا أقول قسموا الأرض الآن بالسوية، ولا أدخل معك في نظرية المال والعمل وما تفرع عنهما من الآراء والمذاهب الاشتراكية، فلذلك وقت آخر، وإنما أقول: كيف غفل علماؤكم عن الأرض؟ كيف تركوها؟ أويظن علماء الأمم جهلا أنهم لا يعنيهم شأن دولة أخرى وهي إذا بارت أرضها خسرت ثمرتها؟
ومن عجب أنهم يقدمون الحجج، وينفذون الأساطيل في اللجج، لحماية مجرم في السياسة، أو شاب أزهقته الحماسة، أولا يحمون الأرض من أن تبور، كما يحمون الرجل الحماسي من القتل، ألا إن الأرض أولى بالحماية، وأحق بالرعاية، فإنها يعيش بريعها الإنسان والحيوان. وهلا تحتج تلك الأمم القوية على من يدعون أبناءهم جاهلين، يتخبطون في دياجير الظلام، أوليس الجاهل ميتا؟ ألا إن ذنب الإهمال أشبه بجرم الإهلاك، ومن أهمل العقول الإنسانية أحق باللوم والتعنيف ممن أزاح الرءوس عن أبدانها، وفصل الأرواح من أجسامها. ألا إن من أهمل عقلا أو تعمد جهله، فقد حشر جما غفيرا إلى الحيوان، وأنزلهم عن مراتب الإنسان، وأماتهم موتة العار، وجعلهم من الفجرة الأشرار. ألا إن ذلك شر ممن أذاق النفوس كأس الحمام، وأوردها مناهل الإعدام، فالأولون يضلون، والآخرون مهلكون. ألا إن الهلاك الروحي والفساد الاجتماعي، شر مقاما من خسارة ألوف من نوع الإنسان. ألا إن الفساد العقلي ينمو بالاختلاط ويزداد بالاجتماع، وجريمة العدم قاصرة على محلها لا تتعدى جرمها، وجرمان أكثر من جرم، وويل أهون من ويلين، وعذاب واحد أهون من عذابين اثنين، فتبا للأمم الغافلة والعقول النائمة.
هلا علم عقلاء أهل الأرض أن خسارة عقل واحد في الشرق دمار على الغرب، وشقاء في الشرق يئول إلى خراب في الغرب، وكيف يسكت علماؤكم عن البحث في سائر العقول البشرية، أولا يعلمون أن المعارف الإنسانية موزعة عليهم بقسطاس مستقيم، إن الحديد والنحاس والقصدير وسائر المعادن، وضعت في الجبال وطبقات الأرض على درجات شتى كثرة وقلة، حسب الحاجة الداعية إليها بقسطاس مستقيم، فترى الذهب قليلا؛ لأنه ملك المعادن وأس القضاء في المعاملات والتجارات، وتليه الفضة القاضية في البيوع الجزئية، قل الذهب، ووليته الفضة، ولو كثرا في جبالكم ووفرا في معادنكم وفرة زائدة عن حاجاتكم ما صلحا للمبادلة، ولا أجزآ في المعاملة، وكثر الحديد والنحاس وغيرها لتقوم بأعمالكم، حكمة بالغة ونواميس صادقة، فهل جهلتم يا بني آدم فظننتم أن عقولكم وزعت على أجسامكم توزيعا مهملا وقسمت قسمة ضيزى، كلا ظن خادع ورأي سخيف، وكما أن الذهب غائر في طبقات جبال كثيرة، وتوزع في أقطار عديدة، وكذا الحديد والنحاس والقصدير، فهكذا العقول والذكاء والفطنة الداعية لاستثمار الأرض واستخراج منافع المادة من الهواء والماء والكهرباء.
ليس في الشرق ولا في الغرب من عقل إلا وهو موضوع لحكمة، ومجبول على فضيلة كعناصر الشجرة المخبوءة في البذرة. «الناس معادن كمعادن الذهب والفضة»، فخيارهم في فطرهم المهملة خيارهم في عقولهم المتعلمة، لنعلم الأمم العالمة الجاهلة، لتقم مقام الأب الوصي لا مقام الجاني والسيد الظالم، لا تدعوا شبرا من أرض في كرتكم الأرضية بلا زرع، المجامع العلمية غافلة عن الحض على المنافع العامة إلا قليلا، وكيف يجهلون خسارة العقول البشرية، إنها لكم مخلوقة، إن عقلين أفضل من عقل، وأمتين فاضلتين أفضل وأنفع لهما من أمة عاقلة وأخرى خاملة، وأمم عاقلة وكرة أرضية أو كوكبية فاضلة عاقلة تكون أسعد سبعين مرة من أهل أرض أو كوكب جمعوا بين جهل وعلم وكمال ونقص، فهلا كان من الأمم حولكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض بترك زراعتها، وعن خراب العقول بتعمد إهمالها إلا قليلا منهم، وكثير منهم فاسقون.