تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما بعد: فإني قد أودعت هذا الكتاب ما صح عندي من هذه اللغة التي شرف الله تعالى منزلتها، وجعل علم الدين والدنيا منوطا بمعرفتها، على ترتيب لم أسبق إليه، وتهذيب لم أغلب عليه، في ثمانية وعشرين بابا، وكل باب منها ثمانية وعشرون فصلا على عدد حروف المعجم وترتيبها، إلا أن يهمل من الأبواب جنس من الفصول، بعد تحصيلها بالعراق رواية، وإتقانها دراية، ومشافهتي بها العرب العاربة في ديارهم بالبادية، ولم آل في ذلك نصحا، ولا ادخرت وسعا، نفعنا الله وإياكم به.»

وعلى طريقته سلك الإمام رضي الدين الحسن الصغاني في «العباب» و«التكملة»، والإمام جمال الدين في «لسان العرب».

الطريقة الثالثة: طريقة الجمهور

وقد رتب السالكون عليها كتبهم على حروف المعجم معتبرين فيها أوائل الكلم؛ فيذكرون في الباب الأول وهو باب الألف - ويراد بها هنا الهمزة - كل كلمة في أولها ألف، مثل: «أب» و«ألو» و«أبي»، وفي الباب الثاني وهو باب الباء كل كلمة في أولها باء، مثل: «بر» و«بري»، ولا يزالون على هذا النهج إلى أن يصلوا إلى النهاية وهي باب الياء، وقد جعلوا كأصحاب الطريقة الجوهرية في كل باب فصولا ناظرين فيها إلى ثواني الكلم؛ فيذكرون الفصل الأول ما يكون ثانيه همزة، وفي الثاني ما يكون ثانيه باء، وفي الفصل الثالث ما يكون ثانيه تاء، ولا يزالون على ذلك إلى أن يصلوا إلى النهاية؛ فالحرف الأول عند هؤلاء كالحرف الأخير عند الجوهري، والحرف الثاني عندهم كالحرف الأول عنده؛ فمثل «أبي» تذكر عندهم في أول الكتاب في فصل الباء من كتاب الألف، وتذكر عند الجوهري في آخر الكتاب في فصل الألف من كتاب الياء، ويقدمون بعض كلمات الفصل على بعض بالنظر إلى ما بعد الحرف الثاني؛ فيذكرون «برج» مثلا قبل «برح»، و«برنج» قبل «برزخ»، و«عندل» قبل «عندم»، و«سنبك» قبل «سندس »، وعلى هذه الطريقة جرى ابن فارس في «المجمل»، والهروي في «الغريبين»، والراغب الأصفهاني في «المفردات»، والزمخشري في «أساس البلاغة»، وابن الأثير في «النهاية».

قال صاحب «المجمل» في أوله مبينا لسبب أمن قارئه المتدبر له من التصحيف: «وذلك أني خرجته على حروف المعجم، وجعلت كل كلمة أولها همزة في كتاب الهمز، وكل كلمة أولها باء في كتاب الباء، حتى أتيت على الحروف كلها، فإذا احتجت إلى كلمة نظرت إلى أول حروفها فالتمستها في الكتاب الموسوم بذلك الحرف؛ فإنك تجدها مصورة في الحاشية ومفسرة من بعد.» وقد تسمى الألف ههنا همزة.

وقال صاحب «الغريبين» في كتابه وهو موضوع على نسق الحروف المعجمة: «نبدأ بالهمزة فنفيض بها على سائر الحروف حرفا حرفا، ونعمل لكل حرف بابا، ونفتتح كل باب بالحرف الذي يكون أوله الهمزة ثم الباء ثم التاء إلى آخر الحروف، إلا أن لا نجده فنتعداه إلى ما نجده على الترتيب فيه، ثم نأخذ في كتاب الباء على هذا العمل إلى أن ننتهي بالحروف كلها إلى آخرها؛ ليصير المفتش عن الحرف إلى إصابته من الكتاب بأهون سعي وأخف طلب، وقد جعل بعض المؤلفين بدل قولهم: باب كذا، قوله: كتاب كذا، وبدل قولهم: فصل كذا، قوله: باب كذا، وربما ترك بعضهم ذكر لفظ الفصل في العنوان، واكتفى بقوله: الألف مع الباء مثلا، والخطب في ذلك سهل.»

هذا، ويجب على من أراد البحث عن كلمة في كتب اللغة أن يجردها أولا من الزوائد إن كان فيها زائد، ويعيدها إلى أصلها الأول إن عراها تغيير، ثم يبحث عن الموضع الذي هو مظنة أن توجد فيه؛ فيراجع: «أقبل» «تقبل» و«استقبل» في: «قبل»، و«إثمد» في: «ثمد»، و«منسأة» في: «نسأ»، و«مبراة» في: «بري»، و«وهبة» في: «وهب»، و«سعة» في: «وسع»، و«هدى» في: «هدى»، و«أب» في: «أبو»، و«ابن» في: «بنو»، و«يد» في: «يدي».

ومعرفة الحرف الزائد والأصل الأول وإن توقف على معرفة علم الصرف، إلا أن أناسا عرفوا ذلك بالممارسة، وقد مرن بعض المعلمين في مدارس المبتدئين تلاميذهم على ذلك فصاروا في أقل مدة يراجعون ما يورد عليهم من الكلمات في كتب اللغة بدون تلكؤ، وجرى لهم نحو ذلك في رسم الخط؛ فتراهم يرسمون مثلا: علا بالألف، وأعلى بالياء، ومن عرف سر التعليم لم يستبعد أعظم من ذلك أن هنا شيئا، وهو أن بعض الكلمات قد اختلف فيها رأي اللغويين، مثل: «هبلع» وهو الأكول؛ فإن بعضهم يحكم بأن الهاء زائدة فيذكر في مادة «بلع»، وبعضهم يحكم بأنها أصلية، ومثل: «إبان» فإن صاحب «الصحاح» ذكره في «أبن» بناء على أن النون فيه أصلية؛ فيكون وزنه فعالا، وصاحب «أساس البلاغة» ذكره في «أب» بناء على أن النون فيه زائدة، كنون وجدان ونحوها؛ فيكون وزنه فعلانا.

الكافي في اللغة · الصفحة ٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الكافي في اللغةص ٣