ومن الواضح أن الترادف خلاف الأصل لأنه طريق إلى الإسراف في الألفاظ وهو خلاف المعقول؛ لأن الألفاظ محصورة والمعاني غير محصورة؛ إذ الألفاظ مركبة من الحروف الهجائية على أوضاع معينة فلا بد أن تقف عند رقم معين، أما المعاني فهي بنات المحسوس ونتاج العقول فلا يعقل أن تقف عند حد.
ومن ثم ينبغي أن يكون الأصل الاقتصاد في الألفاظ بقدر الطاقة، وعلى هذا ينبغي ألا نقول بالترادف إلا عندما يتعذر الحمل على غيره. والحق أن معظم الألفاظ التي يقال في بادئ الرأي إنها متوطئة على معنى واحد هي في الواقع ليست كذلك، فإذا أنت أنعمت النظر فيها تبين لك أن كل لفظ منها يدل على معنى يختلف ولو قليلا عما يدل عليه اللفظ الآخر، فإذا أخذنا لفظي الشك والريب مثلا نجد الجمهور يفسرون أحدهما بالآخر فيقولون في تفسير
لا ريب فيه : لا شك، مع أن بين معنييهما اختلافا بينا، فالشك يدل على مجرد التردد بين أمرين لا يترجح أحدهما على الآخر، مع أن الريب يدل على القلق والاضطراب في النفس متولدين من التردد الذي يدل عليه الشك فالريب شك مصحوب بقلق واضطراب، ومن ثم يقال: هو في شك مريب؛ أي مقلق مزعج، ولا يقال: هو في ريب مشكك، وعلى هذا لا بد أن يسبق الريب بالشك ولا عكس. ومثل ذلك الظن والوهم، فإن الفكر إذا تردد بين أمرين وكان أحدهما أرجح من الآخر فالجانب الراجح ظن والمرجوح وهم بسكون الهاء، أما المفتوح الهاء فهو الخطأ. وكذلك إذا أخذنا الشرق والغصص والشجا مثلا، نجد الأول يدل على انسداد مجرى التنفس بالماء وكل مائع، والثاني يدل على انسداده بالطعام، والثالث بالعظم وكل صلب، وبعض اللغويين يفسر بعض هذه الألفاظ ببعض.
ومثل هذا جلس وقعد، يظن أنهما مترادفان مع أن اللفظة الأولى لا تطلق على الهيئة المخصوصة إلا إذا كانت عقب الاضطجاع أو الاستلقاء ونحوهما، والثانية إنما تطلق على تلك الهيئة إذا كانت عقب الوقوف ونحوه، فيقال: كان مضطجعا فجلس وكان واقفا فقعد، فالجلوس يكون بعد حالة هي دونه والقعود بعد حالة هي فوقه، وأصل مادة «ج ل س» تدل على الارتفاع ومنه قيل للذي ينزل نجدا «جالس»، ومادة «ق ع د» تدل على الانخفاض ومنه قاعدة البناء لأساسه. (4-6) الاشتراك
من الألفاظ ما هو موضوع بإزاء معنى واحد مثل «بغداد» لهذه المدينة ومنها ما يدل على أكثر من معنى، وهذا إما أن يكون في الأصل موضوعا لمعنى واحد ثم استعمل في غيره لعلاقة بين المعنيين مع قرينة تمنع من إرادة المعنى الأصلي، كلفظ الوطيس فإنه موضوع في الأصل للتنور ويطلق على شدة بأس الحرب لما بينهما من المناسبة الظاهرة فيقال حمي الوطيس أو حمي وطيس الحرب، وهو في المعنى الأول حقيقة وفي الثاني مجاز. وقد يشتهر اللفظ في معناه المجازي بحيث يتبادر إلى الذهن بمجرد إطلاقه مجردا عن القرائن، فإن كان الاشتهار عند أهل الشرع سمي حقيقة شرعية أو منقولا شرعيا، مثل: الصلاة والزكاة والوضوء والتيمم. وإن كان الاشتهار عند أهل العلوم سمي حقيقة اصطلاحية أو منقولا اصطلاحيا كالضرب والطرح والقائمة والحادة عند الرياضيين، والتمييز والمبتدأ والخبر والضمة والفتحة والكسرة والسكون عند علماء العربية، وإن كان الاشتهار في عرف العامة سمي حقيقة عرفية أو منقولا عرفيا، كالحيوان للبهيمة خاصة مع أنه في الأصل أعم من البهائم وغيرها. وإما أن يكون اللفظ في الأصل موضوعا لكل واحد من تلك المعاني بوضع مستقل فهو المشترك؛ فالمشترك إذن هو اللفظ الموضوع لمعنيين فأكثر بأوضاع متعددة، كلفظ الخال فإنه موضوع لأخ الأم وللشامة وللسحاب. وأمثلة المشترك كثيرة جدا، فقد ذكروا لبعض الألفاظ معنيين مثل «العم» لأخ الأب وللجمع الكثير، وذكروا لبعضها ثلاثة معان مثل «النوى» لمعناه المعروف وللنية وللبعد. ولبعضها أربعة معان مثل «الروبة» - الروبة من غير همز - لخميرة اللبن وجمام ماء الفحل وما يلزم به المرء من الأعمال وقطعة من الليل. وذكروا لبعض الألفاظ خمسة معان إلى العشرة بل إلى العشرات مثل «الخال» و«العين»، حتى إن كثيرا من الشعراء نظموا القصائد الخاليات والعينيات بأن جعلوا قوافيها لفظ الخال أو العين من أول القصيدة إلى آخرها.