تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد طبعت لهذا العهد مجموعة في خمسة مجلدات كبار تحتوي على طائفة من شروح التلخيص وعلى كتاب الإيضاح للخطيب القزويني أيضا، وهو مرتب على ترتيب التلخيص ولكنه أوسع منه فهو كالشرح له. وقد كان يعاصر الخطيب القزويني السيد يحيى بن حمزة العلوي أحد أمراء المؤمنين اليمانيين توفي سنة 749ه، فألف في هذا الشأن كتابا جليلا أسماه «الطراز المتضمن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز»، رتبه على ثلاثة فنون: جعل الفن الأول للمقدمات، ورسم الثاني للمباحث المتعلقة بعلوم المعاني والبيان والبديع، وأفرد الثالث لبيان فصاحة القرآن وأسرار الإعجاز، وقال: «إن الباعث على تأليف هذا الكتاب هو أن جماعة من الإخوان شرعوا علي في قراءة كتاب الكشاف تفسير الشيخ العالم المحقق أستاذ المفسرين محمود بن عمر الزمخشري ... فسألني بعضهم أن أملي فيه كتابا ... إلخ.»

وقال إنه لم يطالع من الدواوين المختلفة في هذا الشأن إلا كتبا يسيرة، وإنه لم يقف على كتابي الجرجاني «دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة»، مع شدة شغفه بحبهما وإعجابه بهما ... إلخ.

ولكن هذا الكتاب لم ينل من الشهرة ما ناله المفتاح وتلخيصه، وما كتب عليهما من الشروح، والحواشي، والتعاليق.

وجاء الجلال السيوطي المتوفى سنة 911ه فكتب في هذا الشأن عدة كتب، أشهرها منظومته المسماة «عقود الجمان في المعاني والبيان» وشرحها.

والمتتبع لحركة هذا العلم يجد أنه لم يتقدم من بعد السكاكي تقدما ذا شأن، وكل ما فعله الخطيب القزويني أن هذب ما جاء به السكاكي وبوبه تبويبا يسهل تناوله على المتعاطين، وقرب مسائله تقريبا كان السبب في إقبال الناس على كتابه والاعتماد عليه.

وكان العلماء من قبل السكاكي ينظرون إلى هذا العلم بنظر أوسع، وكانوا لا يرون حصره في الدائرة التي حصروه فيها والأبواب التي قصروها عليه، فكانوا يرون أنه شامل لكل ما يبحث فيه عن خواص الكلام التي ترفع من قدره والأسرار التي تكسبه نبلا، وهذه الأسرار وتلك الخصائص أكثر من أن تتسع لها الأبواب التي اختطها لها السكاكي والقزويني ومن مشى على أقدامهما.

فالمفتاح وتلخيصه والإيضاح وإن كانت أحسن من غيرها من حيث التبويب الفني والتنسيق العلمي من الوجهة النظرية، إلا أن ما كتبه عبد القاهر الجرجاني ومن اقتفى أثره من العلماء أقوى أثرا في تقويم الألسنة وتثقيف الأقلام من الوجهة العلمية، فالنوع الأول يتخرج به علماء في فنون البلاغة، والثاني يتخرج به بلغاء حقا.

وقد ثبت بالتجربة أن معظم أولئك الذين يعتمدون في تحصيلهم على التلخيص وشروحه وحواشيه وما إلى ذلك، يتعسر على أحدهم إن لم نقل يتعذر أن يكتب رسالة صحيحة فضلا عن أن تكون بليغة، وقد بلغنا لهذا العهد أن شيخا من مشيخة هذا الشأن أكب على تدريس المطول ومختصره وحواشيهما وحواشي حواشيهما أربعين سنة ونيفا، ثم شهد حفلا فطلب إليه الوالي أن يفوه بشيء من الدعاء فما استطاع أن يلائم بين عبارتين أو يزاوج بين كلمتين صحيحتين فضلا عن كونهما فصيحتين.

وأمثال هذا الشيخ البكيء من المتخرجين بمدرسة القزويني ليس بالعدد القليل.

ولما ظهرت طلائع النهضة الأدبية في مصر، ولاحت تباشير الإصلاح العلمي هناك، وأنشئت جمعية إحياء العلوم العربية، كان على رأسها الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده، فرأى ما عليه كتب المتأخرين من الجدب والجمود ، فرجع ببصره إلى آثار الأقدمين فوجد أن كتابي عبد القاهر الجرجاني من أحسن ما أخرج للناس في موضوعهما، فبادر إلى تدريسهما في الجامع الأزهر، فانتظم في حلقته إذ ذاك جماعة كبيرة من نبهاء الطلاب، وانضم إليهم طائفة من أهل العلم والفضل؛ فكان لهذا العمل أثره الخالد، فقد تخرج بهذه الحلقة فئة ضربت في البلاغة بأيمن سهم وأوفر نصيب، تزينت بها صدور المحافل ورءوس المنابر وحلقات المدارس، ولها الفضل الأوفر في رفع منار الآداب، وتأييد دولة الأقلام في عصرنا هذا.

تاريخ علوم اللغة العربية · الصفحة ٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ علوم اللغة العربيةص ٤٧