| الباب الرابع
الخطط والآثار
لم تكد الدولة العباسية تتخذ بغداد عاصمة لها حتى أقبل الناس إليها من كل صوب وحدب، وتكاثف فيها رجال المال والأعمال، فأكثروا من إنشاء الدور والقصور، وكانت الدولة تشجع على ذلك وتمد أهل النشاط من التجار والصناع برعايتها وفضل عنايتها. وفي الحق أنه لم تصل مدينة من مدن الإسلام في العصور الخالية إلى ما وصلت إليه بغداد من سعة العمران ونبالة الآثار، كما أنه لم تصب مدينة منها بما أصيبت به بغداد من الكوارث والجوائح.
فكما تضافرت الأيدي على عمرانها ورفعة شأنها، تضافرت الخطوب والكوارث على تمزيق أديمها ومحو قديمها. فقد تعاونت أيدي الغرباء من الأجناد والفاتحين من المغول ومن لف لفهم، ودجلة والفرات والأمراض الوافدة، على تدميرها وطمس معالمها، حتى لم يبق من رسومها اليوم أثر يمكن أن يهتدي به الباحث المنقب إلى تعيين المواضع التي كانت تقوم عليها تلك القصور الشاهقة والمباني الشامخة والمساجد الجامعة والمدارس العظيمة التي كانت تملأ سمع الزمان وبصره، اللهم إلا بعض طلول لا تزال ماثلة؛ مثل: المدرسة المستنصرية وباب الطلسم الذي ينسب بناؤه إلى الخليفة الناصر، وبعض المآذن وبقايا خرائب قصر على دجلة من الجانب الشرقي أطلقت عليه دائرة الآثار اسم القصر العباسي ...
أين موضع المدينة المدورة؟ أين موضع قصور الخلفاء؟ أين موضع البيمارستان العضدي؟ أين مجاري الأنهار التي كانت تجري خلال الجانبين؟ أين موضع المدرسة النظامية؟ أين مواضع المحلات الكبيرة في الجانبين؟ أين مدافن الخلفاء العباسيين؟ ...
لا جواب على هذه الأسئلة إلا من قبيل الحدس والتخمين، أما الجواب المبني على استنطاق الآثار واستجلاء المعالم فلا سبيل إليه؛ ولذلك فإن الباحثين في خطط بغداد اليوم لا يخرجون في تدقيقاتهم واستنتاجاتهم عن حدود الظنون. ونحن نرجو من دائرة الآثار أن تقوم بالحفر والتنقيب في أطراف المدينة اليوم؛ لعلها تهتدي إلى ما ينير السبيل أمام المحققين من المؤرخين.
وقد رأينا تسهيلا على القارئ أن نوزع هذا الباب إلى فصول ينفرد كل فصل منها بنوع من الآثار.
الفصل الأول
| أشهر المحلات في القديم
محلات الجانب الغربي
في الجانب الغربي محلات كثيرة من أشهرها محلة باب التبن، وعندها يقع مشهد الإمام موسى بن جعفر، ويقرب منها محلة كان يطلق عليها اسم قطيعة أم جعفر، وإلى جنوبها الشرقي تقع محلة الحربية، سميت بذلك لأنها كانت معسكرا لقائد من قواد المنصور يقال له: حرب، وكان يضاف إليه أحد أبواب الجانب الغربي من المدينة المدورة، فيقال له: «باب حرب»، وإلى جنوبي الحربية تقع محلة الشارع، وإلى الغرب منها تقع محلة العتابية، وإلى الجنوب من العتابية تقع محلة البيمارستان - وهي على دجلة - وإلى الجنوب الغربي منها تقع محلة الكرخ وهي أعظم محلات الجانب الغربي وأشهرها، وتشتمل على كثير من القطائع والأرباض، وإلى الجنوب من محلة البيمارستان محلة باب البصرة، وإلى الغرب منها محلة باب المحول، ويتاخم محلة باب البصرة محلة الشرقية بين باب الحراني ودجلة.
ويتاخم الشرقية أو يبعد عنها قليلا ربض القرية، وأقصى محلات الجانب الغربي من جهة الجنوب محلة قصر عيسى، وتقع على الضفة اليمنى من نهر عيسى عند مصبه في دجلة، وكان الكثير من المحلات الكبيرة في هذا الجانب محاطا بأسوار خاصة حتى تظهر كل محلة منها بمظهر بلد قائم بنفسه.
محلات الجانب الشرقي
من أشهر محلات الجانب الشرقي المحلة التي فيها مشهد الإمام أبي حنيفة، وإلى جوارها من جهة الجنوب محلة الرصافة، وبينهما مقابر الخلفاء العباسيين، ويلي الرصافة إلى الجنوب والشرق محلة الشماسية فمحلة المخرم.
وفي الجانبين كثير من الأرباض والقطائع اشتهرت بأسماء أصحابها، وهي مبثوثة في كتب الجغرافية والتاريخ، وليس في الإمكان الاهتداء إلى مواضعها اليوم بالضبط المبني على اليقين.