تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولم يكن المعتصم رجلا بعيد النظر فسيح رقعة التفكير، وكل ما فيه من المزايا أنه كان شجاعا يحب الشجعان ويعتز بهم، وقد أكثر من الغرباء - ولا سيما الترك - في جنده، وتمرد عليه بعض جيشه منذ أول الأمر؛ فاضطر إلى التخلص منهم بالتبعيد والتشريد وبالقتل أحيانا، كما فعل بحيدر المعروف بالأفشين، فإنه اضطر إلى إحراقه مصلوبا، وهذا الجيش الذي ألفه وإن كان قد أذل الأعداء خارج الدولة، إلا أنه قد أذل مع ذلك الرعية في داخل البلاد.

وفي يوم الخميس لثمان مضين من شهر ربيع الأول سنة 227 توفي المعتصم في سامراء، وكان قد عهد بالخلافة إلى ولده هارون الذي لقب بالواثق بالله. •••

تولى الواثق بالله الخلافة وحالة الجند - على ما علمنا - وقد توطدت أقدام القواد الغرباء الذين اصطنعهم المعتصم، وصاروا أصحاب نفوذ عظيم في الدولة، وكانوا - على ما بهم من غطرسة وخشونة - قدراء على توطيد الأمن في الداخل، كما كانوا قدراء على بعث الخوف في قلوب الدول المجاورة المناوئة للمملكة الإسلامية في الخارج.

مات الواثق يوم السبت لست ليال مضين من ذي الحجة سنة 232، ولم يعهد بالخلافة لأحد من بعده؛ فاختار كبراء الدولة وفيهم أحمد بن أبي داود القاضي - وهو من سراوات العرب وكبار علمائها - جعفر بن المعتصم ولقبوه بالمتوكل على الله، وكان شابا بعيد الهمة، ماضي العزيمة، قوي الشكيمة. نظر ما حوله من الأجناد فرأى أن أكثريتهم من الأعجام الذين لا يوثق بإخلاصهم ولا يؤمن جانبهم في الملمات؛ فالتفت إلى العرب من حوله، فلم يجد منهم العدد الوفير الذي يحتاج إليه؛ لأن الحروب قد أكلت أكثرهم، والفتن قد اصطلمت زهرتهم؛ ففكر أن ينقل عاصمته إلى الشام، فيصطفي من أبناء الشام ومن أبناء الأعاريب هنالك جيشا يفل به غرب هؤلاء المماليك المتغطرسين والجفاة المتغلبين، فشخص إلى دمشق سنة 243 ونقل إليها دواوين الملك، ففطن رؤساء الأجناد من الأتراك إلى مقصده، فدفعوا الجند إلى الشغب؛ فاندفعوا يطالبون بأرزاقهم وأعطياتهم فأجابهم إلى ذلك. ورأى أنه إن استمر على الإقامة في دمشق استمروا على إحداث الاضطرابات والإكثار من المشاغبات؛ فأظهر أن هواء البلد وماءه لا يوافقان مزاجه، وأن الأطباء أشاروا عليه بالنقلة؛ فرجع إلى سامراء. ولا شك عندنا بأن الأجناد من الأتراك هم الذين حملوه على العودة إلى سامراء للحيلولة بينه وبين تنفيذ ما عزم عليه من إنشاء الجند العربي، وإلا فدمشق من أعذب بلاد الله ماء وأرقها هواء.

وكان المتوكل يكثر من شرب النبيذ، فتفلت منه بعض الأسرار، فظن المنتصر أنه يريد تأخيره وتقديم أخيه المعتز عليه، فتمالأ مع بعض الناقمين من الأتراك واتفقوا على اغتياله، فأعدوا لذلك قوما دخلوا عليه وهو على شرابه فقتلوه، وحاول الفتح بن خاقان الدفاع عنه فقتلوه أيضا، وكان في المجلس أبو عبادة البحتري ويزيد المهلبي - الشاعران المعروفان - فاختبأ أحدهما خلف الباب والثاني في الشاذروان. وفي ذلك يقول البحتري قصيدته المشهورة التي جاء فيها:

لنعم الدم المسفوح ليلة جعفر

هريق وجنح الليل سود دياجره

صريع تقاضاه السيوف حشاشة

يجود بها والموت حمر أظافره

وفيها يقول:

ولو كان سيفي ساعة الفتك في يدي

درى الفاتك العجلان كيف أساوره

وفيها يشير إلى غدر المنتصر:

أكان ولي العهد أضمر غدرة؟!

فمن عجب أن ولي العهد غادره!

فلا ملي الباقي تراث الذي مضى

ولا حملت ذاك الدعاء منابره

وقال يزيد المهلبي من قصيدة يرثي بها المتوكل، وينعى بها على بني العباس نبذهم العرب واصطفاءهم مماليك الترك:

لما اعتقدتم أناسا لا حلوم لهم

ضعتم وضيعتم من كان يعتقد

ولو جعلتم على الأحرار نعمتكم

حمتكم السادة المذكورة الحشد

قوم هم الجذم والأنساب تجمعهم

والمجد والدين والأرحام والبلد

بغداد مدينة السلام · الصفحة ١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بغداد مدينة السلامص ١٠