تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي محل انكسار سلسلة طويق تصب فيه عدة وديان؛ بحيث إنها تغير اتجاهه في جوار السليمية واليمامة فيتوجه نحو الشرق فالجنوب الشرقي إلى أن ينتهي في رمال الربع الخالي.

وكان من وصايا أبي بكر إلى خالد بن الوليد أن يأخذ الحيطة عند الهجوم على أهل اليمامة. وكان الخليفة محقا في هذه الوصية؛ لأن أهل اليمامة سكان القرى المبنية في الوديان ضيقة وعلى سفوح الجبال الوعرة بنوا دورهم بالحجارة وسوروا قراهم بالجدران، وأنشئوا الحدائق بالقرب من قراهم، وزرعوا فيها النخيل والأشجار ، وأحاطوها بالحجارة ليمنعوا المارة من دخولها، أو ليعتصموا بها عند الحاجة.

فأهل اليمامة إذن لا يشبهون أهل البادية في القتال، فهم معتصمون بجبالهم المنيعة، ومعتزون بقراهم المتينة وحدائقهم المستحكمة. ولا تزال آثار هذه القرى ظاهرة في تلك الأنحاء.

وهذه القرى كثيرة ومنتشرة على طوار وادي حنيفة، وفي مقاطعة الخرج، وفي الوديان والمنخفضات والواحات.

ولا يخلو من الفائدة أن نقتبس هنا وصف المستر فلبي الذي تجول في هذه المنطقة في صيف 1918 فدون مشاهداته في كتابه «البلاد العربية الوهابية»، وقد وصف قرية الجبيلة الواقعة بالقرب من قرية «عقرباء» التي دارت رحى المعركة فيها بما يلي:

والقرية الآن آهلة بعدد يسير من السكان البؤساء، ومعظمها أطلال دارسة، ومقابر الصحابة على ضفة الترعة المقابلة للقرية (الضفة اليسرى للوادي)، وعلى مسافة نحو ربع الميل منها، وقد يشاهد المسافر بقاعا متفرقة مغروسة بأشجار الأثل (الطرفاء) تسري عن المرء الانقباض الذي يعتريه من إدامة النظر إلى اللون الأغبر الذي لا يتغير، وهو اللون الدائم لتلك السهول الرسوبية المترامية التي سدت الوادي، وبقرب الحي آبار كثيرة بعضها مطوي بالحجارة يستقي منه أهل الحي دائما. أما بيوت أهل الحي فمعظمها أطلال من اللبن بلا خشب، وقد عبثت بها يد البلى ودرست آثارها بمرور الأيام، أما ما بقي منها فلا بأس بحاله، ويستدل منه على أن أهل تلك البيوت عنوا بصيانتها؛ فدعموها بأعمدة حجرية مشيدة بالجص لتحمل على متونها روافد السقوف، وقد شاهدت في دار منها وعاء مزدوجا كبيرا من الملاط المغطى بطبقة رقيقة من الصاروج (الجص) الأسمر لخزن التمور، ولا تزال جدرانه ملوثة بعصارة التمر.

إلى أن يقول:

ومعظم الجدران المبنية من الطين مؤزر إلى ما يقارب نصفه بأيادات من الحجر الصلد، مبينة على وجه الجدار بناء منحرفا توخوا فيها بساطة التزويق لا غير.

ويقول في وصف جبل طويق والهضاب التي يشرف عليها:

أما ما استدار من الأرض حول تلك المنطقة، فلم أجد في حياتي أرضا مثله، فلم أعثر في أرباضه على شيء تنقبض له النفس فتجد أمامك طريقا معرضا لمهاب الرياح خاليا من الظاهرات الطبيعية، ضاربا في كافة الجهات على نمط واحد لا نهاية له، ولا يعترضه في ذلك التكوين الغريب سوى الحرف المطمئن المسمى جبل صلبوخ الواقع إلى الشمال الشرقي.

وعندما يبحث في أطراف عيينة عاصمة آل ابن معمر القدماء - وهي القرية الواقعة إلى غرب عقرباء في واد ضيق - يقول:

أما ربوع عيينة التي اشتهرت من قديم الزمن بجمالها وخصبها، فمنبسطة على جانبي المسيل شرقا وغربا نحو ميلين، وقد أمست الآن قاعا صفصفا وأثرا بعد عين، ونبتت أدغال الأثل في البقاع التي وطئت أراضيها ومهد ثراها الفرس فسائل النخيل فيها، أما البلد الأصلي أو الحالة التي كانت يوما موطنا لآل ابن معمر فلا تختلف عما كان حولها من الربوع الضاربة في صدر تلك المحلة الرحبة، إلا أن أطلالها الشاخصة قد شغلت بقعة وسيعة، ويمر عابر السبيل في تلك البيداء بين آونة وأخرى بأطلال البنيان القديم كالعمد المزوقة رءوسها. وفي كل ناحية من نواحي تلك المحلة الوسيعة آبار نضب عنها الماء، وهي مطوية بالحجارة وآجور، عليها أحواض مبنية بالصاروخ، أما ضفاف المسيل فمدعمة بأيادات كالمسنيات على أشد ما تكون من متانة البنيان، عقدها أصحابها في وجه السيل من زمن بعيد لحبس المياه في بطن المسيل، فرحلوا عنها وتركوها وشأنها، فعبثت بها يد الدهر فتداعت جدرانها وتقوض بنيانها المحكم، ثم غدت ترابا فوق أنقاض بالية، وشاهدت في بعض تلك الجدران حجارة كبيرة من الصخر الصلد؛ طول الحجر الواحد قدمان في عرض نصف قدم.

خالد بن الوليد · الصفحة ٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خالد بن الوليدص ٢٣