تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما موقع طيبة الذي اجتمع فيه غطفان وفزارة فلم نعثر عليه في معجم البلدان، ولعله في شرقي الربذة أو في شماليه، أو إنه موقع طابة في سفح جبل سلمى الجنوبي في شمالي السميراء، وهو من ديار غوث بن طيء. (8) مباغتة المدينة

لم يهجم المرتدون بكل قوتهم؛ لأنهم أرادوا أن يكونوا خفافا فتركوا قسما منهم في ذي حسى بين ذي القصة والمدينة ليكون رداء لهم، واقتربوا ليلا من المدينة ولم يباغتوها؛ لأن العيون أخبرت المسلمين بدنوهم فقاتلتهم الربايا الخارجية، وأسرع أبو بكر بمن في المسجد فأنجد الربيئات وهزم الهاجمين، ولم يكتف بذلك بل هاجمهم على الجمال التي تستقي الماء من الآبار لإسقاء مزارع المدينة إلى أن نفرت الإبل من الجلود المنفوخة التي دهدهها الفارون من أعلى الروابي، فرجعت على أعقابها نافرة حتى دخلت المدينة.

والظاهر أن الهاجمين لم يكونوا في قوة كبيرة، ولا سيما بعد أن تركوا قسما منهم في الخلف، ويظهر أنهم من بني عبس وذبيان، أما فزارة فبقيت في ذي القصة، وهكذا انقسمت القوة التي أرادت أن تهاجم المدينة إلى ثلاثة أقسام؛ قسم في ذي القصة، وقسم في ذي حسى، والقسم الثالث أغار على المدينة، أما قوة المسلمين فلا شك في أنها كانت ضعيفة ولعلها لم تزد على المائتين، وتشجع المرتدون من فرار جمال المسلمين وظنوا بهم الوهن، وبعثوا إلى من بذي القصة بالخبر فلحقوا بهم.

ويختلف الرواة في الحركة التي جرت، فالأخبار التي يستند إليها الواقدي والبلاذري لا تبحث في غارة المرتدين على المدينة، ولا تذكر موقع ذي حسى، وتذكر أن أبا بكر لما علم أن القبائل اجتمعت في ذي القصة بقصد الغارة قرر أن يقاتلها في عقر دارها غير مبال بقلة عدده. وقصده من ذلك إرهاب المرتدين وإلقاء الرعب في قلوب العرب، وجعلهم يعتقدون أن المسلمين أقوياء، وأن ذهاب جيش أسامة لم يقلل من قوتهم، فتقدم أبو بكر على رأس المقدمة الراكبة نحو ذي القصة يعقبه الكوكب (القسم الأكبر)، وبالنظر إلى رواية سيف أن الجمال بعد أن نفرت براكبيها ودخلت المدينة، بات أبو بكر ليلة يتهيأ للهجوم، فبعد أن رتب قوته خرج مبكرا من المدينة، وباغت عدوه فهزمه شر هزيمة. والذي يلوح لنا أن الروايات الأولى هي الأصح، وكانت قوة المقدمة تبلغ مائة رجل، وسارت يومها وعسكرت مساء بالقرب من أجمة «فباغتها العدو من مكمنه وألجأها إلى الفرار فاحتمى أبو بكر بالأجمة ...» منتظرا ورود الكوكب (القسم الأكبر)، ولما نادى أحد المسلمين بوروده انهزم المرتدون، فطاردهم المسلمون إلى ثنايا العوسجة، ثم قفلوا راجعين إلى ذي القصة.

ويذكر الواقدي أن أبا بكر لم يخرج إلى ذي القصة إلا بعد عودة جيش أسامة إلى المدينة، غير أننا لا نميل إلى رأيه؛ لأن مجرى الأخبار يدل على أن قوة المسلمين كانت ضعيفة لما خرجت من المدينة قاصدة العدو. ويزعم سيف أن بني ذبيان وعبس بعد هزيمتهم هذه وثبوا على من فيهم من المسلمين فقتلوهم، وحلف أبو بكر ليقتلن من المشركين في كل قبيلة، وليقتلن من كل قبيلة بمن قتلوا من المسلمين، وكانت وقعة ذي القصة والبقعاء أول نصر للمسلمين على المرتدين، ومنها تظهر فراسة أبي بكر وصلابة عوده.

لا بد أن القارئ انتبه إلى فساد خطة القبائل في محاولتهم غزو المدينة؛ إذ بدلا من أن يجتمعوا في محل واحد للهجوم على المدينة أو أن يقاوموا جيش المسلمين معا، اجتمعت كل قبيلة في حيها؛ فاجتمع بنو أسد في السميراء، وفزارة في طيبة، وجديلة وغوث من طيء في جبليهما، وذبيان وعبس اجتمعت فرقة منها بالقرب من الربذة، والأخرى من ذي القصة أو البقعاء.

والداعي إلى تفرقهم على ما يظهر أن المياه في كل محل من تلك المحلات لم تكن كافية لأداء إرواء جماعة كبيرة، وكان الكلأ قليلا، فضلا من صعوبة اجتماع كلمة القبائل على غاية واحدة، وكان قبل ذلك حلف بين بني أسد وغطفان وطيء، بيد أن قتالا وقع بين غطفان وبني أسد من جهة أخرى فأمست القبائل متخاصمة، وكذلك كلمة طيء لم تكن مجتمعة، فمال إلى المرتدين فرقتان منها فقط، وهما جديلة وغوث، أما الفرق الأخرى فبقيت على إسلامها، وكانت القبائل في قيامها على المدينة يراقب بعضها بعضا، ولا تريد أن تكون البادئة بالعداء؛ ذلك ما جعل كلا منها يبقى في حيه ويراقب عمل الآخر.

خالد بن الوليد · الصفحة ١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خالد بن الوليدص ١٢