ومن الأخبار ما تروي أن كبار الصحابة أشاروا على أبي بكر ألا يرسل جيش أسامة بعد أن وردت الأخبار بارتداد العرب، إلا أن أبا بكر لم يقدم على تغيير ما أمره الرسول به في حياته، والذي اتفق عليه الرواة أن جيش أسامة لم يغب عن المدينة أكثر من شهرين، وكان الجيش متجمعا في الجرف في شمال المدينة لما توفي الرسول، ومع أن أكثر الرواة يزعم أن أخبار الارتداد في الشرق والشمال والجنوب الشرقي وردت قبل حركة جيش أسامة؛ وذلك ما جعل كبار الصحابة يشيرون على الخليفة بإبقاء الجيش ليعتز المسلمون به في محاربتهم أهل الردة، إلا أن الواقع لا يؤيد ذلك؛ إذ لا يعقل أن يصل نعي النبي إلى بلاد عمان والبحرين فيرتد أهله، ويصل ذلك النعي إلى المدينة وجيش أسامة قاعد لا يحرك ساكنا، وإذا كان الخليفة يريد أن ينفذ أوامر الرسول، فلماذا يؤخر حركة هذا الجيش طول هذه المدة، وتدل الأنباء على أن أول من أنبأ بالارتداد عامل المكة، وأعقبه عامل الطائف بالخبر، ثم ورد عمرو بن العاص إلى المدينة بخبر ارتداد أهل عمان والبحرين ونجد، وكان الرسول بعد حجة الوداع قد أوفده إلى عمان، فلما بلغه نعي النبي
صلى الله عليه وسلم
قفل راجعا إلى المدينة، وأخبر بوضوح أن العرب ارتدت من ربى إلى المدينة، والمدة التي تصل فيها أخبار الوفاة إلى عمان ليست قصيرة، كما أن السفر من عمان إلى المدينة أيضا يتطلب عدة أيام، أما المسافة بين عمان والمدينة 1250 ميلا (أعني مسيرة أكثر من عشرين يوما على الذلول).
ومن الواضح أن كبار الصحابة لم يرتئوا إبقاء جيش بمجرد رؤيتهم قبائل فزارة وغطفان يرتدون، والأمر الذي لا شك فيه أن خبر امتناع بعض القبائل العربية القريبة من المدينة عن تأدية الزكاة ورد إلى المدينة قبل حركة جيش أسامة، وإذا صح ادعاء الرواة فإن خبر ارتداد العرب في أقصى البلاد ورد إلى أبي بكر، فأطلعه على حرج الموقف قبل سفر جيش أسامة، فيكون الخليفة قد جازف مجازفة خطيرة بإيفاده الجيش شمالا، بينما كان الخطر يهدد المسلمين في عقر دارهم.
ومن الرواة من يزعم أن أبا بكر شرع في قتال أهل الردة بعد عودة جيش أسامة، ومنهم من يدعي أن قتال ذي القصة والربذة جرى قبل عودة جيش أسامة. أما نحن فنميل إلى الاعتقاد أن القتال وقع قبل عودة الجيش؛ إذ لا يعقل أن تتواطأ غطفان على الهجوم على المدينة وتعلم بأن جيش أسامة رابط في شماله، بينما الروايات التي يستند إليها الواقدي والبلاذري تدل على أن قوة المسلمين كانت ضعيفة في ذلك القتال. (4) الشروع في العصيان
أول من شرع في العصيان خارجة بن حصين الفزاري من رؤساء بني فزارة؛ إذ إنه أوقف جابي الزكاة في طريقه إلى المدينة، وأخذ منه ما في يده، فرده على بني فزارة، ورجع الجابي إلى أبي بكر، أما القبائل التي ثارت وتظاهرت بالعداء فهي بنو أسد وغطفان، والبعض من بطون طيء، فاجتمع بنو أسد في سميراء، وعلى رأسهم طليحة بن خويلد، واجتمعت فزارة في جنوبي طيبة، واجتمعت عبس وذبيان في الردة والتف حولهم جماعة من كنانة، ولما كثر عددهم لم تحملهم البلاد؛ لأن المياه شحيحة، والمرعى قليل، فتفرقوا إلى فرقتين، فأقامت فرقة بالأبرق بالقرب من الربذة والأخرى في ذي القصة، وأمد طليحة فرقة ذي القصة بقوة من بني أسد، والداعي إلى تفرقهم هو أن الوقت كان ضيقا؛ لأن الرسول توفي في شهر ربيع الأول في السنة الحادية عشرة من الهجرة، وهذا التاريخ يوافق شهر حزيران سنة 632 ميلادية، والمياه على ما نعلم تشح في الصيف، وكذا المراعي تقل حينئذ، فبعثت غطفان وفدا إلى المدينة ليعرض على أبي بكر رغبتها في أن تقيم الصلاة وألا تؤتي الزكاة، وكان عيينة بن حصن الفزاري وأقرع بن حابس في الوفد.
فلم يلب أبو بكر طلبهم برغم إشارة بعض الصحابة عليه بالتساهل معهم إلى أن يعود جيش أسامة، إلا أنه في الوقت نفسه قدر خطورة الموقف لما عاد الوفد إلى أهله، وكان للوفد على ما يظهر مهمتان: