فهم أدباء الله العالمون بآداب الحضرة وما تستحقه من الحرمة، والجامع لمقامهم. إن الشيخ عبارة عمن جمع جميع ما يحتاج إليه المريد السالك في حال تربيته وكشفه، إلى أن ينتهي إلى الأهلية للشيخوخة، وجميع ما يحتاج إليه المريد إذا مرض خاطره وقلبه بشبهة وقعت له لا يعرف صحتها من سقمها، وحرمة الحق في حرمة الشيخ، وعقوقه في عقوقه.
ذلك هو جماع ما يمكن أن يقال عن مكانة الشيوخ في طريق الله؛ فهم أساتذة تلك الجامعة الربانية وأطباؤها، ولا بد للمريد السائر على الصراط الأعظم من أن يلجأ إليهم حتى تعصمه حكمتهم من الزلل، فطريق التصوف ليس طريقا سلطانيا هينا سهلا، إنه لطريق المزالق والشباك، والمحن والمهالك، والصبر والمجاهدة المرة، التي لا يقدر عليها إلا أهل الفتوة والقوة، والمناعة الروحية، والعظمة القلبية والعقلية، وفوق هذا وذاك: الاجتباء، والاصطفاء، والمحبة، والرضاء.
ولهذا خرج محيي الدين من خلوته، فقد نهل من العلم المصفى ما أذهل به ابن رشد، وما حير به أئمة عصره، ولكن التربية غير العلم، والطبيب غير المعلم، خرج ينشد الدليل والقائد، وحامل المصباح.
| الخضر وشيوخه في الطريق
وكان أول شيوخه في الطريق الإمام أبو العباس العريني، أحد فحول أصحاب الأحوال والأنفاس، وطبق عليه شيخه شرعة الطريق، غير عابئ ولا ملتفت إلى علوم محيي الدين ومعارفه؛ ولهذا كان يجمح محيي الدين أحيانا، بل ويتمرد على ما اصطلح عليه من تسليم المريد المطلق لشيخه وهاديه لوثوقه من علمه وتمكنه من معارفه.
ولكن عناية الله - وهي سر هؤلاء الرجال، وهي الدعامة الأولى التي ترتكز عليها حياتهم، وتتلون بها شخصياتهم - قيضت له إمام شيوخ الطريق كافة الولي الخفي، الذي شهد له القرآن بأنه أوتي من لدن ربه علما لم يطقه موسى النبي، قيضت له الخضر؛ فأرشده وكفكف من غرب نفسه ورده إلى شيخه. يقول محيي الدين: «وذلك أن شيخنا أبا العباس العريني جرت بيني وبينه مسألة في حق شخص، كان قد بشر بظهوره رسول الله - صلوات الله عليه - فقال لي: هو فلان ابن فلان. وسمى لي شخصا أعرفه باسمه وما رأيته، فتوقفت فيه ولم آخذ بالقبول؛ لكوني على بصيرة في أمره؛ فتأذى الشيخ في باطنه، ولم أشعر بذلك فإني كنت في بداية أمري، فانصرفت عنه إلى منزلي، ولما كنت في الطريق بسوق الحنة بإشبيلية لقيني شخص لا أعرفه، فسلم علي ابتداء سلام محب مشفق، وقال لي: يا محمد، سلم إلى الشيخ مقاله فيما ذكر لك عن فلان، وسمى لي الشخص الذي ذكره أبو العباس؛ فقلت له: نعم. وعلمت ما أراد، ورجعت من حيني إلى شيخي؛ لأعرفه بما جرى، فعندما دخلت عليه كلمني قبل أن أكلمه. قال لي: يا أبا عبد الله، أحتاج معك إذا ذكرت لك مسألة يقف خاطرك عن قبولها إلى أن الخضر يتعرض إليك، ويقول: سلم لفلان فيما ذكره لك، ومن أين يتفق لك هذا في كل مسألة تسمعها مني فتتوقف؟ قلت: أهو الخضر؟ قال: نعم. قلت: إن باب التوبة مفتوح. فقال: وقبول التوبة واقع. فلما كان بعد مدة رأيت شيخي قد رجع إلى قولي في تلك المسألة، وقال لي: إني كنت على غلط في تلك المسألة؛ فقلت له: يا سيدي، علمت الساعة أن الخضر ما أوصاني إلا بالتسليم، وما عرفني بأنك مصيب في تلك الحالة؛ ولكن التسليم واجب.»
والتقى محيي الدين بالخضر مرة أخرى؛ حينما كان مع شيخه الثاني الإمام جراح بن خميس، ويحدثنا محيي الدين عن هذا اللقاء فيقول: «ثم اتفق لي مرة أخرى أني كنت في مركب في البحر، فأخذني وجع في بطني، وأهل المركب قد ناموا، فقمت إلى جانب السفينة، وتطلعت إلى البحر، فرأيت شخصا على بعد في ضوء القمر، وكانت ليلة البدر، وهو يأتي على وجه الماء حتى وصل إلي ووقف معي، ثم تكلم معي بكلام كان عنده، ولقنني أشياء وأشياء، ثم سلم وانصرف يطلب المغارة مائلا نحو تل على شاطئ، بيننا وبينه مسافة تزيد على ميلين، فقطع تلك المسافة في خطوتين أو ثلاث، فسمعت صوته وهو على ظهر المغارة يسبح الله، وربما مشى إلى شيخنا جراح بن خميس الكتاني، وكان من سادات القوم، وكنت جئت من عنده بالأمس من ليلتي تلك، فلما جئت المدينة لقيت رجلا صالحا، فقال لي: كيف كانت ليلتك البارحة في المركب مع الخضر؟ ما قال لك وما قلت له؟ فعلمت أنه الخضر.»