تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالذي يجرد الإسلام من الفلسفة، هو الذي يتمسك بقشور الفلسفة أو وثنياتها، أما من ينشد الروح والجوهر والإيمان، فقد بلغ بهم المتصوفة الإسلاميون أعلى قمم التصعيد والتفوق.

ومحيي الدين، هو المثل الكامل للصوفي الفيلسوف المسلم، الذي أحاط بمعارف عصره، بل وسبق ذلك العصر، إلى آفاق لا تزال الإنسانية تجهد قواها، وتحشد مواهبها للوصول إليها.

كما اختص محيي الدين بفيض دافق من الينابيع والإلهامات القلبية، أو بلغة التصوف بالهبات والعطايا الربانية، وهي موارد إلهية لا تنفد ولا تحد، ولا تسامقها عزمات، ولا تطاولها معارف؛ وإنما هي فيوضات تتنزل من لدنه - تعالى - على قلوب عباده، وألسنة محبيه، وأقلام من اصطفاهم واجتباهم لحمل أمانة العلم ورسالة المعرفة.

ولا يمكننا، ونحن نؤرخ لعبقرية محيي الدين وفلسفته أن نطبق عليه ما اصطلحت عليه الأقلام من استنطاق الهيئة، وتقصي الدراسات التي تزود بها، والدوافع والكوامن النفسية التي أحاطت به، وتفاعلت مع عواطفه وأحاسيسه؛ فكونته وصاغته.

لا يمكننا هذا؛ لأن محيي الدين عجيبة من عجائب التصوف، وصنيعة من صنائع الإيمان، ولطيفة من لطائف التقوى، وقبسا من أقباس النور الذي يشرق في الأرواح المتطهرة العابدة.

إن محيي الدين، لم تكونه عوامل المحبة الجنسية، التي تكون الشعراء والأدباء، ولم تصقله الشكوك والريب والقسوة، التي تلهب الأذكياء، ولم تدفعه عوامل البيئة والزمان والمكان إلى الوثوب والاعتلاء.

وإنما صاغته سبحات الروح، وكونته إلهامات القلب، وأبرزته الجلوة والخلوة، والحضرة والمحبة، ورعته وحبته عناية الله، التي ترعى وتحابي المؤمنين، وتعلم وتلقن العابدين الساجدين، الذين قعدوا على بابه الأسنى، مجردين حتى من أنفسهم في انتظار النفحات والهبات، فدخلوا تحت ظلال الآية الكريمة:

عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما .

طريقته في التأليف

يقول محيي الدين: «فإن تأليفنا هذا وغيره لا يجري مجرى التآليف ولا نجري فيه نحن مجرى المؤلفين؛ فإن كل مؤلف إنما هو تحت اختياره، وإن كان مجبورا في اختياره، أو تحت العلم الذي تعلمه خاصة، فيلقي ما يشاء ويمسك ما يشاء، أو يلقي ما يعطيه العلم وتحكم عليه المسألة التي هو بصددها، حتى يبرز حقيقتها، ونحن في تأليفنا لسنا كذلك؛ إنما هي قلوب عاكفة على باب الحضرة الإلهية، مراقبة لما ينفتح له الباب، فقيرة خالية من كل علم، لو سئلت في ذلك المقام عن شيء، ما سمعت لفقدها إحساسها، فمهما برز لها من وراء ذلك الستر أمر ما، بادرت لامتثاله وألقته على حسب ما حد لها في الأمر.»

قلوب عاكفة على باب الحضرة الإلهية، مراقبة لما ينفتح له الباب، هذا هو صفوة ما يقال في عبقرية أهل الله، ومن هذا الباب كانت معارف محيي الدين، معارف متلاحقة متدفقة، ممتزجة متداخلة متشابكة، أشبه بدائرة المعارف، التي ليست لها أبواب ولا مناهج، بل هي بحار زاخرات متلاطمة المعاني جبارة الأمواج.

يقول رجال الدنيا: إن العبقرية صبر طويل وكفاح مرير، أما رجال التصوف فالعبقرية عندهم سجود القلب الطويل، في محراب النور والهدى، والمجاهدة المريرة الشاقة، التي توصل إلى الباب الأسنى.

العبقرية العلمية عند رجال التصوف منحة وخلعة، وهبة مستفادة من صفاء الروح وطهارة القلب، ومراعاة الله مع الأنفاس؛ فلا يصعد نفس ولا يهبط إلا بذكر الله وخشيته، والشوق الحار المشبوب بمحبته وسجود القلب تحت ظلال رؤيته.

وسجود القلب عزم عظيم، لا يطيقه إلا الفحول من أهل الحظوة والفتوة، وملازمة الباب مجردا من كل شيء حتى من نفسه، مجردا لربه قاصدا إليه؛ فحينئذ تهبط الخلع والمنح، وتترى الهبات والنفحات، وتتنزل العلوم، وتتدفق في القلب ينابيع من المعارف لا تحد ولا تحصر،

محيي الدين بن عربي · الصفحة ٧٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محيي الدين بن عربيص ٧٧