تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن هذه الفلسفة قبسات واضحة في مذهب «سبينوزا»، الذي نشأ في هولندا، وأصله من يهود البرتغال، الذين أكرهوا على الدين المسيحي، فقد كان كلامه عن الذات والصفات، وتجلي الخالق في مخلوقاته، وتلقي الخلق نور المعرفة الصحيحة بالبصيرة والإلهام، نسخة من فلسفة ابن عربي.

والفيلسوف المتصوف الإسباني «رايمو ندلول» قد اقتبس معارفه عن أسماء الله - تعالى - وأثرها في الكون، من كتاب ابن عربي: «أسماء الله الحسنى». وكان رايموند يحسن العربية، وعاش بعد ابن عربي، فانتحل الكثير من تراثه، وراح يزود المكتبة الأوروبية بالروائع التي تدل معانيها في وضوح وجلاء على صحة أبوة محيي الدين لها؛ لاسيما وهذا اللون من العلوم لم تعرفه من قبل الديانة المسيحية.»

ولسنا هنا نتصيد الدلالات على أثر محيي الدين في النهضة الأوروبية الحديثة بشقيها الديني والأدبي، فكتب التاريخ الأوروبي عامة، وكتب رجال الاستشراق خاصة، تشهد بأن ابن عربي الفيلسوف الصوفي - كما يسمونه - كان له أكبر الأثر في عقول النساك ورجال الإصلاح الديني والمتصوفة من فقهاء المسيحية الذين ظهروا بعده، بل إن مذهبه العالمي في المحبة الذي يمثله قوله:

أدين بدين الحب أنى توجهت

ركائبه فالحب ديني وإيماني

قد اتخذه فقهاء المسيحية، بل ورجال الإصلاح فيها لهم شعارا ودثارا.

ولقد ذهب بعض المستشرقين إلى أن أثر ابن عربي في الإصلاح الديني في اللاهوت المسيحي، لا يقل عن أثر مارتن لوثر نفسه، أو على الأقل هو الذي مهد له الطريق، وأنار الجادة بهتافه الحار للحرية الفكرية، والحرية العلمية في تناول المعرفة، وبدعوته إلى الاجتهاد، وفتح بابه للناس كافة، وعدم تقديس الآراء السابقة، بل وعدم التقيد بقيودها؛ ما دامت قد صدرت عن عقول بشرية، لا من حقائق إلهية.

كما كان له أكبر الأثر في الأدباء الربانيين، من أمثال دانتي وغيره، حتى ليقول المستشرق «آسين» الإسباني: «إن أوصاف الجنة والنار، والعروج إلى السماء، والأقباس الروحية، والنشوة القلبية في الأدب الأوروبي الحديث، كلها تستمد أصولها الأولى من ابن عربي وفلسفته الكبرى، التي نشرت أجنحتها الفضية قرونا على الأفق الغربي.»

ذلك بعض ما يقال في أثر محيي الدين في النهضة الأوروبية، وذلك بعض ما يقوله أئمة القلم في أوروبا عن محيي الدين، وعن فلسفته الكبرى التي نشرت أجنحتها الفضية قرونا على الأفق الغربي.

الأفق الغربي، الذي يأتي من ضفافه أحد المعجبين ببروقه اليوم، من المتعالين من رجالنا، فينظر إلى محيي الدين ويبتسم، ويقول: من محيي الدين؟

فيعيد من جديد قصة الناموسة التي تنفخ على الجبال ...

| المدرسة الأكبرية

التصوف الإسلامي كأفق عام، وحدة متسقة متحدة الأهداف والغايات، ولكن الطريق إلى الله - كما يقول المتصوفة - على عدد أنفاس الرجال؛ ومن هنا تعددت المدارس الصوفية، واتسمت كل مدرسة بطابع إمامها، وتلونت بمناهجه ومعارفه.

فللمدرسة الغزالية طابعها القلبي المشرق، ودعوتها الحارة إلى مكارم الأخلاق، وفضائل الأعمال.

وللمدرسة الجنيدية، سمتها في التربية والتصفية، ورسالتها في الفقه والتوحيد.

وللمدرسة الشامية، الدقائق والرقائق، ومحاسبة النفس وتزكيتها، وعصمة الجوارح وتطهيرها.

وللمدرسة الحلاجية، مواجيدها وألحانها، وسبحاتها في المحبة والفناء؛ وهكذا المدارس الصوفية قديمها وحديثها، لكل منها ذوقه ومشاهده ومناهجه.

ولكن مدرسة من تلك المدارس، لم تحدث في عالم الفكر دويا كما أحدثت المدرسة الأكبرية التي تنتسب إلى الشيخ الأكبر.

وليس مرجع هذا أنها أكثر هذه المدارس أتباعا، وأضخمها جمهورا؛ وإنما مرجعه أنها مدرسة العقل الجبار المحلق، مدرسة الثقافة السامقة الشامخة، مدرسة الروحانية في صولتها العنيفة الفاتحة.

محيي الدين بن عربي · الصفحة ٧٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محيي الدين بن عربيص ٧٤