تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم يفيض محيي الدين في الحديث عن صفات الإنسان التام، وهمته وعزيمته وتصعيده لكل أعماله إلى فاطر السموات والأرضين.

ويحتم أكبر ما يحتم، أن يلزم جانب الاعتدال في شهواته ورغباته، ومأكله وملبسه، وصلاته بالناس.

ويأخذ بعد ذلك في الحديث عن موقف الإنسان التام من المال، وهو الفتنة الكبرى فيقول: «إن المال إنما يطلب لغيره، وليس هو مطلوبا لذاته، فإنه في نفسه غير نافع؛ وإنما الانتفاع بالأغراض التي تنال به؛ فالمال آلة تنال بها الأغراض، فلا يجب أن يعتقد أن اقتناءه وادخاره مفيد، فإذا ادخره وحرص عليه لم ينل صاحبه شيئا من الأغراض، التي هو بالحقيقة محتاج إليها، فالمال هو مطلوب لغيره؛ فينبغي للسديد الرأي العالي الهمة، أن يزنه بوزنه، فيكسبه من وجهه ويفرقه في وجهه، ويكون مع ذلك غير متوان في اكتسابه، ولا مقدم في طلبه؛ لأن عدم المال يضطره إلى التواضع لمن هو دونه إذا وجد عنده حاجته، ووجود المال يغنيه عمن هو فوقه وإن دنت منزلته ...»

ثم يحذر صاحب هذا المقام من الغضب، فيقول: «وينبغي لمحب الكمال أن يشعر نفسه أن الغضبان بمنزلة البهائم والسباع، يفعل ما يفعله من غير علم ولا روية، فإذا جرى بينه وبين غيره محاورة أدت إلى أن يغضب خصمه ويتسفه عليه، اعتقد فيه أنه في تلك الحالة بمنزلة البهائم والسباع؛ فيمسك عن مقابلته ويحجم عن الاقتصاص منه، ألا يعلم أن الكلب لو نبح عليه لم يكن يستحسن مقابلته على نبحه؟ وكذلك البهيمة لو رمحته لم يستحسن عقوبتها؛ لأنها غير عالمة بما تصنعه، إلا أن يكون جاهلا فإن من السفهاء من يغضب على البهيمة إذا رمحته، ويوجعها ضربا إذا آذته، وربما عثر السفيه فشتم موضع عثرته، ورفصه برجله!»

ويختم هذه الرسالة العالية، بالدعوة إلى المحبة الشاملة للإنسانية كافة: «... وينبغي لمحب الكمال أيضا: أن يعود نفسه محبة الناس أجمع والتودد إليهم، والتحنن عليهم، والرأفة والرحمة بهم؛ فإن الناس قبيل واحد متناسبون، تجمعهم الإنسانية، وحلية القوة الإلهية، هي في جميعهم وفي كل واحد منهم، وهي النفس العاقلة، وبهذه النفس صار الإنسان إنسانا ...» ... وأخيرا كما يقول محيي الدين: «من صدقت سريرته، انفتحت بصيرته، ومن صدق مقاله استقام حاله، وليس الدين كثرة صوم وصلاة؛ إنما الدين خوفك من الله، ومن صدق توجهه لله أعطاه كل ما تمناه، ومن خاف الله مولاه، خاف منه كل ما سواه، بل سخرت له الحياة.»

| عقيدة محيي الدين الإلهية

بقلمه

وكأنما نظر محيي الدين بلحاظ الغيب؛ فعلم أن الخصومات العمياء ستلاحقه بعد موته بالإفك والبهتان، فسجل في مقدمة الفتوحات عقيدته الإلهية في الذات العلية؛ لتكون الحجة الكبرى على من يتقول عليه ظلما وجهلا ... قال: «فيا إخوتي ويا أحبائي، رضي الله عنكم، أشهدكم عبد ضعيف مسكين، فقير إلى الله - تعالى - في كل لحظة وطرفة، وهو مؤلف هذا الكتاب ومنشئه، أشهدكم على نفسه بعد أن أشهد الله - تعالى - وملائكته ومن حضره من المؤمنين وسمعه، أنه يشهد قولا وعقدا أن الله - تعالى - إله واحد لا ثاني له في ألوهيته، منزه عن الصاحبة والولد، مالك لا شريك له، ملك لا وزير له، صانع لا مدبر معه، موجود بذاته من غير افتقار إلى موجد يوجده، بل كل موجود سواه مفتقر إليه - تعالى - في وجوده؛ فالعالم كله موجود به وهو وحده متصف بالوجود لنفسه، لا افتتاح لوجوده، ولا نهاية لبقائه، بل وجود مطلق غير مقيد قائم بنفسه، ليس بجوهر متحيز فيقدر له المكان، ولا بعرض فيستحيل عليه البقاء، ولا بجسم فتكون له الجهة والتلقاء، مقدس عن الجهات والأقطار، مرئي بالقلوب والأبصار، إذا شاء استوى على عرشه كما قاله، وعلى المعنى الذي أراده، كما أن العرش وما سواه به استوى، وله الآخرة والأولى، ليس له مثل معقول، ولا دلت عليه العقول، لا يحده زمان، ولا يقله مكان، بل كان ولا مكان، وهو على ما عليه كان، خلق المتمكن والمكان، وأنشأ الزمان، وقال: أنا الواحد الحي، لا يئوده حفظ المخلوقات، ولا ترجع إليه صفة لم يكن عليها من صنعة المصنوعات.

محيي الدين بن عربي · الصفحة ٧٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محيي الدين بن عربيص ٧٠