تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه .

وعندنا في الطريق: أن الرجل إذا لحق بأهل الله - تعالى - وبأوليائه ثم بخل، فإنه يستبدل وينزل من ذلك المقام، ثم يجعل فيه كريما من كرماء الخلق، قال الله - تعالى - عقيب هذه الآية:

وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ، وحالت بينه وبين قوله - تعالى:

وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه ، وحالت بينه وبين قوله - تعالى - في دعوة موسى - عليه السلام - على فرعون، لما أراد إهلاكه دعا عليهم أن يرزقهم الله البخل، فقال:

ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم ؛ فضيعوا فقراءهم حتى هلكوا جوعا، فأخذهم الله، وحالت أيضا بينه وبين قوله

صلى الله عليه وسلم : «أنفق بلالا ولا تخش من ذي العرش إقلالا.» وحالت بينه وبين قوله - عليه الصلاة والسلام: «إن لله ملكين في كل يوم يناديان عند كل صباح: اللهم أعط كل منفق خلفا، وكل ممسك تلفا.» وحالت بينه وبين حاله

صلى الله عليه وسلم

حين أعطي الكنزين، فاختار تركهما على أخذهما، وبين فعل أبي بكر - رضي الله تعالى عنه - حين جاء إلى النبي - عليه السلام - بجميع ماله كله، فقال: «ما تركت لأهلك؟» فقال: الله ورسوله. وجاء عمر - رضي الله عنه - بنصف ماله، وترك النصف لأهله، فقال لهما النبي

صلى الله عليه وسلم : «بينكما ما بين كلمتيكما.» فالإنفاق سبب استخلاف الأرزاق من الرزاق في الدنيا والآخرة، فكل من أمسك فهو لله متهم وعلى ماله معتمد، وكانت ثقته بدرهمه أعظم من ثقته بربه، وكان هذا طعنا في إيمانه، نسأل الله العافية، فعليك بالإنفاق في الشدة والرخاء، ولا تخف ولا تفزع من الفقر فبئس الرجل! كما قال النبي

صلى الله عليه وسلم : «إلا من قال بماله هكذا وهكذا يمينا وشمالا.» والله موف لك ما وعدك شئت أم أبيت، وشاء العالم أو أبى، فما هلك سخي قط.

| محيي الدين ورسالة الأخلاق

فإذا انتهى محيي الدين من «كنه ما لا بد منه للمريد» اتجه إلى أبناء الأمة الإسلامية كافة، بل إلى بني الإنسان في كل زمان ومكان، يرسم لهم الأفق الأعلى للأخلاق ، مبينا أن الإنسان إذا تجرد من التحلي بها؛ فقد فقد نفسه، وأضاع حياته، وانحرف عن أول واجباته الإنسانية.

يقول محيي الدين:

1 «اعلم أن الإنسان من بين سائر الحيوان ذو فكر وتمييز، وهو أبدا يحب من الأمور أفضلها، ومن المراتب أشرفها، ومن المقتنيات أنفسها، إذا لم يعدل عن التميز في اختياره، ولم يغلبه هواه في اتباع أغراضه، وأولى ما اختاره الإنسان لنفسه ولم يقف دون بلوغ غايته، ولم يرض بالتقصير عن نهاية تمامه وكماله، ومن تمام الإنسان وكماله: أن يكون مرتاضا بمكارم الأخلاق ومحاسنها، ومتنزها عن مساويها ومقابحها، آخذا في جميع أحواله بقوانين الفضائل، عادلا في كل أفعاله عن طريق الرذائل، فإذا كان ذلك كان واجبا على الإنسان أن يجعل قصده اكتساب كل شيمة سليمة من المعائب، ويصرف همته إلى اقتناء كل خلق كريم خالص من الشوائب، وأن يبذل جهده في اجتناب كل خصلة مكروهة مروية، ويستفرغ وسعه في إطراح كل خلة مذمومة دنية، حتى يحوز الكمال بتهذيب خلائقه، ويكتسي حلل الجمال بدماثة شمائله، ويباهي بحق أهل السؤدد والفخر، ويلحق بالذرى من درجات النباهة والمجد.

إلا أن المبتدي بطلب هذه المرتبة، والراغب في بلوغ هذه المنزلة، ربما خفيت عليه الخلال المستحسنة التي يعنيه تحريها، ولم تتميز له من المستقبحة التي غرضه توقيها، فمن أجل ذلك وجب أن نقول في الأخلاق قولا نبين فيه ما الخلق؟ وما علته؟ وكم أنواعه وأقسامه؟ وما المرضي منها المغبوط صاحبه والمتخلق به؟ وما المشنو منها الممقوت فاعله والمتوسم به؟ ليسترشد بذلك من كانت همته تسمو إلى مباراة أهل الفضل، ونفسه أبية تنبو عن مساواة أهل الدناءة والنقص، وتدل أيضا على طريق الارتياض بالمحمود من أنواعه والتدرب به، وتنكب المذموم منها وتجنبه حتى يصير المرتاض به ديدنا وعادة وسجية وطبعا، ليهتدي به من نشأ على الأخلاق السيئة وألفها، وجرى على العادات الردية وأنس بها، ونصف أيضا الإنسان التام المهذب الأخلاق، والمحيط بجميع المناقب الجميلة، وطريقته التي يصل بها إلى التمام، وتحفظ عليه الكمال، ليشتاق إلى صورته من تشوق إلى المرتبة العليا، ويحن إلى احتذاء سيرته من استشرف إلى الغاية القصوى، وقد ينتبه بما نذكره من كانت له عيوب قد اشتبهت عليه وهو مع ذلك يظهر أنه في غاية الكمال.»

محيي الدين بن عربي · الصفحة ٦٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محيي الدين بن عربيص ٦٨