تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أليست تلك المقامات من حالات الفناء، هي المقامات التي يرمى فيها المتصوفة بوحدة الوجود؟

يقول ابن تيمية خصم التصوف الأكبر، وخصم محيي الدين: «فإنهم لفرط انجذاب قلوبهم إلى ذكر الله وعبادته ومحبته، ضعفت قلوبهم عن أن تشهد غير ما تعبد، وترى غير ما تقصد.»

وهل قال المتصوفة أكبر من هذا القول؟! ومن عجب أن ابن تيمية يهاجم التصوف والمتصوفة؛ لأنهم يقولون: إنهم في نشوتهم الكبرى لا يرون إلا الله، ويذهلون عما سواه، أي: نفس ما يقول ابن تيمية.

إنهم ليرون الله في كل شيء، ومع ذلك يوقنون بأنه - سبحانه - فوق كل شيء، وهذا أكمل درجات التوحيد.

ويقول ابن تيمية أيضا في مجموعة رسائله:

2

وأما قول الشاعر في شعره:

أنا من أهوى ومن أهوى أنا

فهذا إنما أراد به الشاعر الاتحاد المعنوي، كاتحاد أحد المحبين بالآخر، الذي يحب أحدهما ما يحب الآخر، ويبغض ما يبغضه، ويقول مثل ما يقول، ويفعل مثل ما يفعل، هذا تشابه وتماثل، لا اتحاد العين بالعين؛ إذ كان قد استغرق في محبوبه، حتى فني به عن رؤية نفسه، كقول الآخر:

غبت بك عني

فظننت أنك أني

فهذه الموافقة هي الاتحاد السائغ.»

ويقول ابن تيمية أيضا في الرسائل: «روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة، عن النبي قوله - تعالى: «من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة.» فجعل معاداة عبده الولي معاداة له، فعين عدوه عين عدو عبده، وعين معاداة وليه، عين معاداته، ليس هما شيئين متميزين.»

ويذكر أيضا ابن تيمية حديثا رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي: يقول الله - تعالى: «عبدي مرضت فلم تعدني! فيقول: يا رب، كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ فيقول: أما علمت أن عبدي فلانا مرض؟ فلو عدته لوجدتني عنده. عبدي جعت فلم تطعمني! فيقول: رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ فيقول: أما علمت أن عبدي فلانا جاع؟ فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي.»

ولم أجد ردا على ابن تيمية في هجومه على المتصوفة وعلى شيخهم الأكبر، أبلغ من قوله، ولم أجد شاهدا أكبر دلالة مما استشهد به هو من القرآن الكريم:

وأصبح فؤاد أم موسى فارغا ، ولا أعظم من تفسيره؛ إذ يقول: أصبح فؤادها فارغا مما سوى موسى.

وقلب الصوفي - يا شيخ الإسلام، ويا إمام من يتسمون بأهل السنة، ومن يحاربون المتصوفة - أصبح فارغا مما سوى الله؛ فلا يرون في الوجود سواه، وربنا - سبحانه وتعالى - أكبر وأعظم من أن يشبه بعبد من عباده، أو برسول من رسله؛ تلك كلمة الفصل في وحدة الوجود، ومقامات الفناء عند الصوفية وحقيقة توحيدهم الأكبر، والله يهدي إلى الحق ويرشد إلى سواء السبيل.

| آداب المريد عند محيي الدين

... من مدرسة المريد والشيخ تتكون الجامعة الصوفية الكبرى، تلك الجامعة التي لا تسامقها جامعة أخرى في العالم.

ولهذا زخر التصوف بمناهج كاملة لتربية المريد وإعداده، وتنشئته على الخلق الصوفي المثالي.

وهي مناهج تعتبر صورة صادقة للآداب الصاعدة، صورة لأسمى ما تنشده التربية الصالحة في أية جامعة عالية.

وفي هذه المناهج يتجلى الذوق الصوفي بأروع صوره، وأجمل ألوانه، كما يتجلى أيضا تفوق الصوفية في طب القلوب، وآداب النفوس على أساتذة التربية قديمها وحديثها.

ولمحيي الدين رسالة في آداب المريد، أو كما يقول هو: «في كنه ما لا بد للمريد منه.» تعتبر في موازين التصوف أجمل النماذج التي أبدعها هذا المنهج العالي.

يقول محيي الدين بعد أن شرح لمريده حقائق التوحيد الإلهي، وصور له كيفية الإيمان برسل الله جميعا:

ومما لا بد لك منه:

حسن الظن بالناس كافة، وسلامة الصدر، والدعاء للمسلمين بظهر الغيب، وخدمة الفقراء برؤية المنة لهم، وحمل كلفهم، وتحمل أذاهم وجفاهم، والصبر بالله على أخلاقهم.

ومما لا بد لك منه:

الصمت إلا عن ذكر الله وتلاوة القرآن، أو إرشاد الضال، أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر ، أو إصلاح بين المتهاجرين، أو تحريض على صدقة، بل على كل خير.

محيي الدين بن عربي · الصفحة ٦٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محيي الدين بن عربيص ٦٥