تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الدكتور أبو العلا عفيفي

ويأتي في أعقاب نيكولسون، تلميذه الأستاذ الدكتور أبو العلا عفيفي؛ فنشاهد فيه صورة مكررة لأستاذه، يردد أقواله حرفيا.

يقول الدكتور في مقدمته لكتاب الفصوص:

4 «إن القضية الكبرى التي تدور حولها فلسفة محيي الدين، والتي ملكت عليه زمام تفكيره، هي نظرية وحدة الوجود.»

ثم يقول: «ولم يكن لمذهب وحدة الوجود، وجود في الإسلام في صورته الكاملة قبل ابن عربي؛ فهو الواضع الحقيقي لدعائمه، والمؤسس لمدرسته، والمفصل لمعانيه ومراميه، والمصور له بتلك الصورة النهائية التي أخذ بها كل من تكلم بهذه المذاهب من المسلمين من بعده.»

ثم يقول: «إن الأقوال المأثورة عن أبي يزيد البسطامي والحلاج، بل عن ابن الفارض المعاصر لابن عربي،

5

ليست في نظري دليلا على اعتقادهم في وحدة الوجود، بل على أنهم كانوا رجالا فنوا في حبهم لله عن أنفسهم، وعن كل ما سوى الله، فلم يشاهدوا في الوجود غيره؛ وهذه وحدة شهود، لا وحدة وجود. وفرق بين فيض العاطفة وشطحات الجذب، وبين نظرية فلسفية في الإلهيات، أي: فرق بين الحلاج الذي صاح في حالة من أحوال جذبه بقوله: «أنا الله.» أو بين ابن الفارض الذي أفناه حبه لمحبوبه عن نفسه، فلم يشعر إلا بالاتحاد التام به، فقال:

متى حلت عن قولي: «أنا هي.» أو أقل

وحاشا لمثلي! إنها في حلت

أقول: فرق بين هذين الرجلين وبين ابن عربي، الذي يقول في صراحة لا مواربة فيها ولا لبس، معبرا لا عن وحدته بالذات الإلهية، ولا عن فنائه في محبوبه، بل عن وحدة الحق والخلق.»

ومن عجب أن الدكتور يأتي بمشهد لمحيي الدين من كتابه «شجرة الكون»، بمشهد يتكلم فيه محيي الدين على لسان العرش، وهو يسبح بحمد الله، ويتغنى بمحامده وجلاله، وكل شيء في الكون يسبح بحمد الله سيده ومولاه؛ ليتخذ منه دليلا عجبا على وحدة الوجود.

6

يقول محيي الدين على لسان العرش: «أقسم بعلي عزته وقوي قدرته، لقد خلقني، وفي بحار أحديته غرقني، وفي بيداء أبديته حيرني؛ تارة يطلع من مطالع أبديته فينعشني، وتارة يناجيني بمناجاة لطفه فيطربني، وتارة يواصلني بكاسات حبه فيسكرني، وكلما استعذبت من عربدة سكري، قال لسان أحديته: «لن تراني.» فذبت من هيبته فرقا، وتمزقت من محبته فلقا، وصعقت عند تجلي عظمته، كما خر موسى صعقا، فلما أفقت من سكرة وجدي به، قيل لي: أيها العاشق، هذا جمال قد صناه، وحسن قد حجبناه، فلا ينظر إلا حبيب قد اصطفيناه.»

يأتي الدكتور بهذا المشهد الإيماني العظيم؛ ليستدل به على عقيدة محيي الدين في وحدة الوجود؛ وإنه لدليل من نوع أدلة أساتذته رجال الاستشراق، دليل أعد الاتهام فيه، حتى قبل قراءة البيان والبرهان.

يقول الإمام البوصيري - رضي الله عنه:

وإذا لم يصحب العلم ذوق

وجد الشهد من الجهل صابا

وإلى هنا والدكتور يردد أقوال أستاذه نيكولسون تماما، ولا يتمرد على تلك الأستاذية المحببة؛ ولكن التلميذ يجزع ويتمرد، فقد أوشك أستاذه في جذبة روحية على تبرئة محيي الدين من وحدة الوجود، والتلميذ أحرص من أستاذه على تجريح شيخ المتصوفة الأكبر.

يقول نيكولسون في كتابه «في التصوف الإسلامي»: «والصوفي لا يدين بوحدة الوجود، ما دام يقول بتنزيه الله - تعالى - مهما صدر عنه من الأقوال المشعرة بالتشبيه، فإذا راعى جانب التنزيه شاهد الله في كل شيء، واعتبره في الوقت نفسه فوق كل شيء؛ وهذه وحدة شهود لا وحدة وجود.»

وبهذا الشرط الذي اشترطه نيكولسون خرج محيي الدين من التهمة دون أن يدرك المستشرق الكبير، ولكن الدكتور التلميذ أدرك خطورة الأمر؛ فأسرع يعقب على أستاذه قائلا: «ولكننا يجب أن نتذكر أن محيي الدين - وهو من أساطين مذهب وحدة الوجود، بل واضع أساس هذا المذهب في الإسلام - قد قال بالتنزيه والتشبيه معا، ولم يغفل لحظة واحدة عن قرن أحدهما بالآخر، فهل كان هذا الصوفي من أصحاب وحدة الشهود لا وحدة الوجود على حد تعبير الأستاذ؟»

محيي الدين بن عربي · الصفحة ٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محيي الدين بن عربيص ٦٣