هذا هو النبع الأبوي الزكي، الذي أنجب محيي الدين، أما نبعه من حيث خئولته، فهو سليل الأنصار الأطهار، الذين لا يسلكون فجا إلا سلكه الرسول - صلوات الله عليه - معهم، ولنترك محيي الدين أيضا يحدثنا عن خاله الصوفي صاحب الأحوال والأنفاس: «كان خالي أبو مسلم الخولاني يقوم الليل، فإذا أدركه الإعياء ضرب رجليه قائلا: أنتما أحق بالضرب من دابتي، أيظن أصحاب محمد - صلوات الله عليه - أن يفوزوا به دوننا، والله لأزاحمنهم عليه، حتى يعلموا أنهم خلفوا من بعدهم رجالا.»
1
وهكذا درج محيي الدين بين بيت والده، ودار خاله، في جو عامر بنور التقوى، فيه سباق حار نحو الشرفات العليا للإيمان، وفيه عزمات لرجال أقوياء، ينشدون نصرا وفوزا في محاريب الهدى والطاعة.
وانتقل والده إلى إشبيلية، إلى حاكمها السلطان محمد بن سعد، وهي عاصمة من عواصم الحضارة والعلم في الأندلس، وفيها شب محيي الدين ودرج، وما كان لسانه يبين، حتى دفع به والده إلى أبي بكر بن خلف عميد الفقهاء، فقرأ عليه القرآن الكريم بالسبع في كتاب الكافي، فما أتم العاشرة من عمره حتى كان مبرزا في القراءات، ملهما في المعاني والإشارات، ثم أسلمه والده إلى طائفة من رجال الحديث والفقه، يذكرهم لنا الإمام شمس الدين بن مسدي في روايته عن محيي الدين؛ إذ يقول: «كان جميل الجملة والتفصيل، محصلا لفنون العلم أخص تحصيل، وله في الأدب الشأو الذي لا يلحق، والتقدم الذي لا يسبق، سمع في بلاده في شبابه الباكر، من ابن زرقون، والحافظ بن الجد، وأبي الوليد الحضرمي، والشيخ أبي الحسن بن نصر ...»
ثم لا يذكر لنا التاريخ بعد ذلك شيئا عن شباب محيي الدين، ولا عن شيوخه، ومقدار ما حصل من العلوم والفنون. ولكن محيي الدين أرخ نفسه وجلا حياته، فهو يذكر لنا في الفتوحات: أنه قد أعرض عن العلم والشيوخ، وأنه قد اتجه بروحه إلى محاريب الله، ومهابط إلهامه، إلى التفكر في خلق السموات والأرض، وإلى الذكر الدائم المطهر الملهم.
ثم إلى الجلوة والخلوة، يطهر خواطره، ويطهر وجدانه، ويزكي نفسه لتلهم تقواها، حتى تفجرت في قلبه ينابيع الفيض، وأشرقت في حياته شمس الهبات والعطايا اللدنية.
وتراث محيي الدين، يشهد بأنه كان في صباه، مرهف الحس والذوق، قوي العاطفة، غلاب الوجدان، رحب الآفاق في الهمة والتطلع.
ويشهد بأن روحه، كانت أعظم من أن تطيق ذلك التلقين الرتيب من شيوخه وأساتذته، وأن تلك الروح قد انطلقت تنشد حبا أكبر من تلك العواطف التي تحيط به، وتبغي أفقا أعظم وأشمل من تلك الألوان من العلوم والمعارف.
والهمة - كما يقول - هي أساس الفتح والفيض؛ فإن التجرد يعطي الطهارة والطاعة، أما الكشف والفيض فأساسهما الهمة وعزمات الرجال.
وإن كانت همة خاله أبي مسلم، قد قعدت به عن اللحوق بأصحاب محمد - صلوات الله عليه - وإن كانت عزيمته قد ضعفت أجنحتها عن التحليق والتفوق في الكشف وفنونه، والإلهام وعلومه؛ فإن لمحيي الدين لهمة، وإن له لعزما، وإنه لسباق لا يسبق، وهداف لا يخطئ، وإن لروحه وثبات تكاد تذهب بها إلى الملأ الأعلى، وإن في قلبه لشيئا يكاد يضيء، ولو لم تمسسه تلك العلوم والمعارف.
وإذن؛ فليعرض محيي الدين عن شيوخه وأضابير معارفهم، وليختصر الطريق الممل الشاق، في وثبات روحية جبارة، إلى منابع العلوم ومصادرها، إلى النور الذي تعيش فيه الفئة التي رضي الله عنها وأحبها؛ فوهبها وعلمها من لدنه علما.
واعتزل محيي الدين الدنيا عزلته الأولى، عزلة هي سر بينه وبين فاطر السموات والأرض؛ ولكنها عزلة مهدت لتكوين تلك القوة العلمية الربانية العظمى، عزلة أحدثت عجبا، وأورثت علما، خشع له أكبر جبار في عالم العقل والفلسفة، خشع لها وأكبرها أبو الوليد بن رشد، ولنترك محيي الدين يحدثنا بقلمه الساحر، عن الالتقاء بين علم الهبات الربانية، والعلم المكتسب من العقل المتفوق المثقف، يقول محيي الدين في الفتوحات ...