تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد كان أبو اليزيد فانيا عن كل شيء، مستغرق القلب والحس والروح في النجوى والتفرغ الكامل لعبادة ربه، فلما أخرج إلى الناس، خشي أن يشغل لحظة من زمن عن عبادة ربه، ونجوى خالقه؛ فغشي على نفسه من هذا الخوف ما يشبه الصاعقة، فرد رحمة به إلى مقام الفناء، وهو مقامه، وخلعت عليه خلع الذلة والافتقار والانكسار، وهي أسمى الخلع، في عالم الأنفاس والهبات؛ فطاب عيشه ، وسجد قلبه، ثم دنا واقترب، فظفر بالمشاهدة، فزاد أنسه، واستراح روحه من أعباء الأمانة.

يقول محيي الدين: «ثم إن هذه الطائفة إنما نالوا هذه المرتبة عند الله؛ لأنهم صانوا قلوبهم أن يدخلها غير الله، أو تتعلق بسوى الله؛ فليس لهم جلوس إلا مع الله، ولا حديث إلا مع الله، فهم بالله قائمون، وفي الله ناظرون، وإلى الله راحلون ومنقلبون، وعن الله ناطقون، ومن الله آخذون، وعلى الله متوكلون، وعند الله قاطنون؛ فما لهم معروف سواه ولا مشهود إلا إياه، صانوا نفوسهم عن نفوسهم فلا تعرفهم نفوسهم، فهم ضنائن الحق - سبحانه.»

ومن صفات هذا المقام أيضا عنده: أن صاحبه لا يرى لأحد من الناس ولا لقوة من قوى الخلق عليه سلطان، وإبليس لديهم ذليل ضعيف:

إن عبادي ليس لك عليهم سلطان . يقول محيي الدين: «فكل عبد إلهي توجه لأحد من الخلق، أو يوجد عليه لأحد من الناس حق، فقد نقص من عبوديته لله بقدر ذلك الحق، فإن ذلك المخلوق يطلبه بحقه، وله عليه سلطان به؛ فلا يكون عبدا مخلصا خالصا لله - تعالى، وهذا هو الذي رجح عند المنقطعين إلى الله - تعالى - انقطاعهم عن الخلق ولزومهم السياحات والبراري، والسواحل والمجاهل، والفرار من الناس والانقطاع إليه - تعالى؛ حتى يفوزوا بمقام العبودية الكاملة، وإنه لهو الفوز العظيم.»

رجال الليل

الليل وقت الخلوة والجلوة، وقت الأنس والسمر، وقت الذكر والصفاء، وقت التجلي والتحلي، وقت الشوق والأنين والحنين، والومضات والوثبات واللمحات.

ورجال الأنفاس هم رجال الليل، يضيئون ظلمته بنور الإيمان، ويملئون صمته بدعوات الرحمن، حتى إذا جاء وقت السحر، وما أدراك ما وقت السحر؟! تجلت الأرواح واستيقظت القلوب؛ فتلقت من ربها ما تلقت، وتجملت وتحلت، وأذنت لربها وحقت؛ فلكل نصيبه المقدر، على قدر الهمة والطاقة، وعلى قدر الذكر والعبادة.

ولليل عند رجال الله مقام أي مقام! لأنهم نظروا إلى آيات الرضا، فوجدوا ثناء من الخالق - سبحانه - على الأصفياء الأخيار، الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع، والذين كانوا

قليلا من الليل ما يهجعون ، فأقبلوا على الليل يقطعونه راكضين إلى ربهم، مهللين ومكبرين.

يقول محيي الدين: «كان عندنا بإشبيلية رجل عابد حسن الصوت، كثير الاجتهاد، سريع الدمعة، دائم العبرة، كثير التفكر والتهجد، بت معه ليالي عدة؛ فلم يكن يفتر، فربما أسمعه بعض الأحايين ينشد بصوت طيب غرد، ودموعه تنحدر على خديه:

قطع الليل رجال

ورجال وصلوه

فيه أناس رقدوا

وأناس سهروه

لا يميلون إلى النو

م ولا يستعذبوه

فكأن النوم شيء

لم يكونوا يعرفوه

لبسوا ثوبا من الخد

مة حتى خلعوه

مع جلباب من الحز

ن فما أن نزعوه

لم تنم أعين ونامت عيون، وهجع قوم وآخرون لا يهجعون، لا يعرفون النوم ولا يستعذبونه، حتى لكأن النوم شيء لا يعرفونه، فقد أسهدهم حب ووجد، وحزن وشوق، وتطلع إلى النور الأسنى والمقام الأعلى، وتلهف على الرضا، وتطلع إلى المشاهدة في الخلوة والجلوة، وأمل في القرب والمغفرة.»

وصلوات الله على الأمين الحبيب، لقد قام الليل حبا وشكرا حتى أدميت قدماه، وحتى أشفقت عليه عائشة - رضوان الله عليها - فرجته الرفق بنفسه، والرحمة بشوقه قائلة: «لقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فترفق.»

فقال الحبيب الأمين - صلوات الله عليه: «يا عائشة، ألا أكون عبدا شكورا!» ذلك هو مقام الشكر، ولليل المقامات بأسرها؛ فإن للإنسان في الليل سبحا طويلا، لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا. ويقول محيي الدين: «اعلم - أيدك الله بروح القدس منه - أن الله جعل الليل لأهله، مثل الغيب لنفسه، فكما لا يشهد أحد فعل الله في خلقه لحجاب الغيب الذي أرسله دونهم؛ كذلك لا يشهد أحد فعل أهل الليل مع الله في عبادتهم لحجاب ظلمة الليل التي أرسلها الله دونهم؛ فهم خير عصبة في حق الله، وهم شر فتية في حق أنفسهم، ليسوا بأنبياء تشريع لما ورد من إغلاق باب النبوة، ولا يقال في واحد منهم عندهم: إنه ولي؛ لما فيه من المشاركة مع اسم الله، فيقال فيهم: أولياء، ولا يقولون ذلك عن أنفسهم، وإن بشروا، فجعل الليل لباسا لأهله يلبسونه، فيسترهم هذا اللباس عن أعين الأغيار ، يتمتعون في خلواتهم الليلية بحبيبهم فيناجونه من غير رقيب؛ لأنه جعل النوم في أعين الرقباء سباتا، أي راحة لأهل الليل إلهية، كما هو راحة للناس طبيعية؟ فإذا نام الناس استراح هؤلاء مع ربهم، وخلوا به حسا ومعنى فيما يسألونه من قبول توبة، وإجابة دعوة، ومغفرة، وغير ذلك؛ فنوم الناس راحة لهم، وإن الله - تعالى - ينزل إليهم بالليل إلى السماء الدنيا، فلا يبقى بينه وبينهم حجاب فلكي، ونزوله إليهم رحمة بهم، ويتجلى لهم في سماء الدنيا، كما ورد في الخبر: «يقول الله: كذب من ادعى محبتي، فإذا جنه الليل نام عني، كل محب يطلب الخلوة بحبيبه، فها أنا ذا قد تجليت لعبادي، هل من داع فاستجيب له، هل من تائب فأتوب عليه، هل من مستغفر فأغفر له، حتى ينصدع الفجر.» فأهل الليل هم الفائزون بهذه الحظوة في هذه الخلوة وهذه المسامرة في محاربهم، فهم قائمون يتلون كلامه، ويفتحون أسماعهم لما يقول لهم في كلامه - سبحانه.

محيي الدين بن عربي · الصفحة ٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محيي الدين بن عربيص ٤٦